ما يحدث في الوطن العربي يدعونا إلى التفكير طويلًا في مستقبل الثقافة العربية ومصيرها، فهذه التحولات والانتفاضات والثورات التي شهدتها المنطقة لم تكن أحداثًا سياسية عابرة، وإنما كشفت عن أزمات عميقة تراكمت عبر عقود، وأظهرت حجم التناقضات التي يعيشها المجتمع العربي. لقد اختلطت الأوراق السياسية والاجتماعية والطائفية والأيديولوجية، وأصبح المشهد شديد الالتباس، حتى بات من الصعب أحيانًا التمييز بين المطالبة بالحرية والفوضى، وبين الثورة على الاستبداد واستبدال استبداد بآخر، وبين الخطاب الذي ينشد بناء الدولة والخطاب الذي يسعى إلى تفكيكها.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، وجدت الثقافة العربية نفسها أمام امتحان عسير؛ فالأدب يحاول أن يعبّر عن الواقع، والفكر يحاول أن يفسر ما يجري، والفن يحاول أن يلتقط التحولات التي تعصف بالمجتمع، بينما تستيقظ الرقابة العربية لتضع مزيدًا من القيود على حرية التعبير، متذرعة بما يحدث من فوضى وصراعات طائفية وجماعات متشددة، وكأن الفوضى لا تُعالج بمزيد من الوعي والحرية، وإنما بمزيد من القمع والمنع.وهنا تبدو الثقافة العربية في حالة مخاض صعب، إذ لا تزال عاجزة عن إنتاج خطاب يوازي حجم التحولات التي شهدتها المنطقة. فالأحداث كانت أسرع من قدرة المثقف على استيعابها، والسياسة كانت أكثر سرعة من الفكر، والواقع كان يتغير قبل أن يجد المثقف الوقت الكافي لقراءته وتحليله.لقد بدت الثقافة العربية، في كثير من الأحيان، مرتبكة أمام ما حدث، عاجزة عن تقديم تفسير مقنع أو رؤية شاملة. ولم تستطع أدوات التعبير المختلفة، من شعر وسرد ودراسات تاريخية وتنظيرات فكرية، أن تواكب الحدث بحجمه وتعقيده. وقد يكون هذا العجز مفهومًا في السنوات الأولى؛ لأن التاريخ يحتاج إلى مسافة زمنية حتى يكشف طبقاته الخفية، والمثقف يحتاج أحيانًا إلى الابتعاد عن دخان المعركة حتى يستطيع أن يرى المشهد كاملًا.ولعل السنوات المقبلة تكشف لنا ما لم نستطع رؤيته اليوم، فالأحداث الكبرى لا تقدم أسرارها دفعة واحدة، وإنما تحتاج إلى الزمن حتى تتبلور دلالاتها، وتتراجع الانفعالات، وتتسع مساحة التأمل، وتتحول المواقف الآنية إلى رؤى فكرية أكثر نضجًا.غير أن ذلك لا يعني أن ننتظر التاريخ كي يقوم بمهمة المثقف بدلًا منه، فالمطلوب منذ الآن أن تنهض المؤسسات الثقافية ومراكز البحث والدراسات بدورها الحقيقي، وأن تشتغل على القضايا المصيرية التي تواجه الإنسان العربي، لا أن تكتفي بإقامة الندوات والمؤتمرات والمهرجانات وتسجيلها في دفاتر الإنجازات.إننا بحاجة إلى مشروع ثقافي عربي يعيد للثقافة دورها في صناعة الوعي، ويجعلها جزءًا أساسيًا من مشروع النهضة، لا تابعًا للسياسة أو هامشًا عليها.ولا يمكن الحديث عن مشروع ثقافي عربي مؤثر من دون الحديث عن التنوير. لكن التنوير الذي نحتاج إليه لا ينبغي أن يكون نسخة مستوردة من أيديولوجيات جاهزة، ولا أن يخضع لأفكار غربية لا تنسجم بالضرورة مع واقعنا، كما لا ينبغي أن يكون أسيرًا لأفكار مغلقة تستمد قوتها من الماضي أو من عالم الغيب، وترفض إخضاع نفسها للسؤال والنقد.نحن بحاجة إلى تنوير عربي ينطلق من أسئلتنا الخاصة، ومن واقعنا وتاريخنا، ويستفيد في الوقت نفسه من التجارب الإنسانية المختلفة.وليس صحيحًا أن التجربة الإنسانية تنحصر في أوروبا وأمريكا؛ فهناك أمم آسيوية وإفريقية وأمريكية لاتينية استطاعت أن تبني تجاربها الخاصة، وأن تستفيد من الحضارة الإنسانية دون أن تفقد خصوصيتها. ونحن في سباق مع الزمن، ولا نستطيع أن ننهض إذا بقينا نستهلك ما ينتجه الآخرون دون أن نشارك في إنتاج المعرفة.وفي تراثنا العربي نفسه ما يستحق إعادة القراءة، ففيه نزعات عقلانية وتنويرية وفلسفية كثيرة، وفيه علماء وفلاسفة ومفكرون لم يخافوا السؤال، ولم يعتبروا الاختلاف خروجًا على الجماعة. فلماذا لا نستعيد هذه الروح النقدية؟ ولماذا نظل أسرى ثنائية مصطنعة تجعلنا نختار بين التراث والحداثة؟يمكننا أن نقرأ التراث بعين حديثة، وأن نقرأ الحداثة بعين ناقدة، وأن نستفيد من الاثنين معًا. فالمشكلة ليست في التراث ذاته، وإنما في تحويله إلى نص مغلق لا يسمح بإعادة القراءة، وليست في الحداثة، وإنما في استيرادها دون وعي أو نقد.إن المثقف العربي يعيش اليوم حالة من الحذر والترقب. هناك من يراقب المشهد من بعيد، وهناك من انحاز إلى هذا الطرف أو ذاك، وهناك من اتخذ موقفًا ضد الجميع، لكن كثيرًا من هذه المواقف لم ينتج رؤية واضحة لما يحدث، وإنما انطلق من خلفيات سياسية وأيديولوجية سابقة.وهنا يقع المثقف في مأزق خطير؛ إذ يتحول من قارئ للحدث إلى طرف فيه، ومن صاحب رؤية إلى صاحب موقف، ومن ناقد إلى مدافع.وليس المطلوب من المثقف أن يكون محايدًا أمام الظلم أو الاستبداد أو انتهاك حقوق الإنسان، وإنما المطلوب أن يكون مستقلًا في تفكيره، وأن يمتلك شجاعة نقد من يؤيده قبل أن ينتقد من يختلف معه. فالمثقف الذي يرى أخطاء خصومه ولا يرى أخطاء جماعته ليس مثقفًا نقديًا، وإنما هو جزء من خطاب الجماعة.ومن هنا فإن الثقافة التي نحتاج إليها ليست ثقافة الصراخ، وإنما ثقافة السؤال؛ ليست ثقافة الشعارات، وإنما ثقافة المعرفة؛ ليست ثقافة التخوين والإقصاء، وإنما ثقافة الحوار والاختلاف.نحن بحاجة إلى ثقافة تعيد للإنسان العربي ثقته بعقله، وتحرره من الخوف، وتفتح أمامه أبواب المعرفة، وتعلّمه أن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن نقد الماضي لا يعني احتقاره، وأن الاستفادة من تجارب الآخرين لا تعني الذوبان فيها.إن الثقافة ليست ترفًا، وليست نشاطًا احتفاليًا يقاس بعدد المهرجانات والندوات والأمسيات، وإنما هي مشروع لبناء الإنسان وتغيير العقل. وإذا ظللنا ننظر إليها بوصفها نشاطًا هامشيًا، فإننا سنظل ندور في الحلقة نفسها.أما إذا أدركنا أن الثقافة هي خط الدفاع الأول عن المجتمع والعقل والإنسان، وأنها القادرة على مواجهة التطرف والكراهية والتعصب، فإننا نكون قد بدأنا الطريق الحقيقي إلى النهضة.ولذلك، فإن السؤال: "ثقافتنا إلى أين؟" ليس سؤالًا عن مستقبل الأدب والفن والفكر فحسب، وإنما هو سؤال عن مستقبل الإنسان العربي نفسه.قد تتغير الأنظمة، وتتبدل التحالفات، وتسقط شعارات وتظهر أخرى، وقد يشهد الوطن العربي موجات جديدة من التحولات تقلب كثيرًا من المعادلات والتوقعات والموازين، لكن التغيير الحقيقي لن يتحقق بتبدل الوجوه وحده، وإنما بتغير العقل الذي يصنع هذه الوجوه.فقد يأتي ربيع عربي ثانٍ، لكن الأهم أن تكون الثقافة العربية قد تعلّمت من ربيعها الأول، وأن تكون قادرة هذه المرة على قراءة الحدث، لا أن تكتفي بمراقبته.