أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن أمام إقليم يعيد توزيع الخطر


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

الأردن أمام إقليم يعيد توزيع الخطر

مدار الساعة ـ

أخطر ما في الصراع الإقليمي أن تُحسم قضاياه الكبرى على حساب دول لم تشارك في قرار إشعاله. فالأطراف المتحاربة تسعى إلى تحويل مكاسب الميدان إلى شروط سياسية، ونقل كلفة خسائرها إلى محيطها. وهنا يأتي التحدي الأردني بأن يمنع تحوّل أمنه وحدوده ومصالحه إلى جزء من تسويات يصوغها الآخرون. لذلك، تبدأ قراءة المشهد من سؤال محدد: ما الذي يحاول كل طرف فرضه الآن، ليصبح بعد توقف القتال أمراً يصعب تغييره؟

في المواجهة مع إيران، تبدو المشكلة أعمق من تبادل الضربات. كل طرف يريد أن يقنع الآخر بأن قدرته على الاحتمال أطول، وأن خسائره لن تجبره على التراجع. إنها معركة إرادات يخشى أطرافها أن يتحول التنازل إلى سابقة تشجع على مزيد من الإكراه. والخطر أن تنتقل الضغوط نحو مصالح دول أخرى، لدفعها إلى التدخل ووقف التصعيد. عندها تصبح كلفة الحرب موزعة على المنطقة، بينما تبقى سلطة إنهائها محصورة بأطرافها.

الأردن معني بمنع هذه المعادلة من الاستقرار على حسابه. حماية أجوائه وأراضيه قرار تفرضه مسؤوليته تجاه مواطنيه، ولا يحق لطرف مصادرته سياسياً. وفي المقابل، فإن الشراكات التي تعزز أمن المملكة يجب أن توسع استقلال قرارها وقدرتها على تجنب الحرب. المسألة تحتاج إلى وضوح يقطع الطريق على سوء التقدير بأنه لن يكون أمن الأردنيين وسيلة ضغط، ولن تتحول سياسة ضبط النفس إلى ثغرة يختبر الآخرون من خلالها حدود الردع الأردني.

لكن الانشغال بالصواريخ قد يحجب خطراً في الضفة الغربية. فالتوسع الاستيطاني يمس الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية. وكلما تقطعت هذه الأرض، تآكل الأساس الجغرافي للتسوية. بالنسبة للأردن، تتجاوز المسألة تعثر المفاوضات؛ إذ إن إغلاق الأفق أمام الفلسطينيين يفتح احتمالات تمس أمنه. ولا ينبغي انتظار إعلان خطة تهجير حتى ندرك الخطر، فقد تصنع سياسة الأمر الواقع ما يتجنب أصحابها إعلانه في خطابهم.

التهجير يمكن أن يبدأ حين تصبح الحياة غير محتملة: طريق مغلق، وعمل يتعذر الوصول إليه، وأرض يخشى صاحبها دخولها، ومؤسسات تفقد قدرتها على خدمة الناس. هذه مؤشرات إنذار مبكر ينبغي قراءتها مجتمعة. ولهذا، فإن الدفاع عن بقاء الفلسطينيين يقتضي حماية أسباب بقائهم. وتصبح الدبلوماسية الأردنية مؤثرة حين تدفع الشركاء إلى تعطيل الإجراءات التي تنتج الاقتلاع التدريجي؛ فرفض التهجير يفقد أثره إذا استمرت مقدماته تتراكم دون كلفة على من يصنعها.

وفي سوريا، يهم الأردن أن يعرف من يستطيع تنفيذ ما يتعهد به، ومن يملك منع السلاح من تجاوز سلطة الدولة. فتعدد مراكز القوة يجعل التعهدات عرضة للتعطيل، ويمنح جهات صغيرة قدرة على إفشال تفاهمات أكبر منها. لذلك، يُقاس التحسن بقدرة المؤسسات على ضبط الحدود والطرق وملاحقة شبكات التهريب. أما انخفاض الاشتباكات، فقد يعكس توازناً مؤقتاً بين المتنافسين، دون أن يعني استقراراً قادراً على الصمود إذا تبدلت المصالح أو انقطعت مصادر التمويل فجأة.

وفي العراق، تبقى المسافة بين موقف الحكومة وتصرفات الجماعات المسلحة مسألة أساسية. فالتعهد السياسي يحتاج إلى قدرة على إلزام من يستطيع تعطيله. وهذا ما يجعل وحدة القرار السيادي مصلحة أردنية مباشرة؛ لأن الجار القادر على ضبط قراره يمنح الحدود والتجارة والاتفاقات معنى عملياً. كما يمنع مجموعة صغيرة من جر دول إلى أزمة لم تخترها. وكل تقدم في هذا الاتجاه يخفف عن الأردن عبء التعامل مع تهديدات تتعدد واجهاتها وتبقى أدواتها متشابهة.

وقد يصل أثر المواجهة إلى البيت الأردني قبل أن يصل إلى الحدود. ارتفاع أجور الشحن والتأمين يظهر في أسعار السلع، وتعطل الرحلات ينعكس على السياحة، وتردد المستثمر يؤجل مشروعاً وفرص عمل. وإذا اجتمعت هذه الآثار، تنشأ حالة استنزاف اقتصادي حتى مع بقاء الوضع الأمني مستقراً. لهذا، فإن تنويع الإمدادات وتأمين المخزون واستمرار حركة النقل ضرورة سياسية أيضاً. فمن يملك بديلاً عند الأزمة يحصّن قراره من الابتزاز، ويقلل كلفة الصمود على مواطنيه ومؤسساته.

ولا تنفصل قدرة الأردن على مواجهة ذلك عن علاقة المواطن بدولته. الناس تتفهم القرارات الصعبة حين تعرف أسبابها، وترى عدالة في تحمل نتائجها. أما ترك الأسئلة بلا إجابات فيتيح للشائعة أن تحتكر تفسير الأحداث. نحتاج إلى حديث واضح يشرح كيف نحمي بلدنا ويمنع تحويل الغضب إلى أداة استقطاب داخلي. وتزداد قوة هذا الحديث عندما يلمس المواطن كفاءة المؤسسات ويشعر أن رأيه مسموع وأن ظروفه حاضرة في القرار السياسي.

على الأردن الاستعداد لصراع أمريكي إيراني قد يطول عبر جولات متقطعة بقدر استعداده لمواجهة واسعة أيضاً. فقد تمنح كل تهدئة الأطراف وقتاً لإعادة ترتيب مواقعها، بينما يتراكم الاستنزاف علينا. وهنا تظهر أهمية الدبلوماسية الملكية في تحويل العلاقات إلى نفوذ وقائي، بالتوازي مع جاهزية الدفاع وقوة الاقتصاد والتنسيق العربي. المطلوب منع الأزمات من تضييق خياراتنا تدريجياً، والحضور حيث تتقرر مصالحنا، قبل أن تتحول التفاهمات إلى وقائع ملزمة. فالأردن لا يقبل أن يصبح استقراره تعويضاً عن إخفاقات الآخرين.

مدار الساعة ـ