أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين يتحرك الأردن وسط العاصفة: ماذا تقول جولة جلالة الملك؟


د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة

حين يتحرك الأردن وسط العاصفة: ماذا تقول جولة جلالة الملك؟

د.م. عالية رضوان الغصون
د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
مدار الساعة ـ

في زمنٍ تتغير فيه خرائط النفوذ أسرع من قدرة الدول على التقاط أنفاسها، لا تكون الزيارات الملكية مجرد انتقال بين عاصمة وأخرى و ثمة ما هو أبعد من البروتوكول. وجولة جلالة الملك عبدالله الثاني الأخيرة، التي حملته من باريس إلى براغ ثم إلى نيويورك، تبدو أقرب إلى جولة سياسية في قلب العاصفة الإقليمية منها إلى زيارة خارجية تقليدية. أما حضور جلالة الملكة رانيا العبدالله، بما يحمله من أبعاد إنسانية وثقافية، فقد أضاف إلى المشهد وجهاً آخر للدبلوماسية الأردنية.

الأردن، بحكم الجغرافيا، ليس بعيداً عن أزمات المنطقة. لكنه، بحكم السياسة، لا يريد أن يكون مجرد ساحة تتلقى نتائجها. وهنا تكمن أهمية الحركة الدبلوماسية الأردنية. ففي باريس، لم يكن الملف اللبناني مجرد بند على جدول الأعمال. اجتماع العقبة حول لبنان، بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني جوزاف عون، يضع الأردن في موقع الدولة التي تحاول أن تسهم في إعادة بناء مظلة الاستقرار الإقليمي، من خلال دعم مؤسسات الدولة الرسمية وقدراتها الأمنية. كما أن الاتفاق الدفاعي الأردني الفرنسي يفتح مستوى أكثر مؤسسية في التعاون بين البلدين. هذه ليست تفاصيل تقنية. بالنسبة للأردن، فإن وجود دول عربية مستقرة وقادرة على حماية مؤسساتها ليس شأناً يخص تلك الدول وحدها. فكل فراغ أمني أو سياسي في الإقليم يمكن أن يتحول، عاجلاً أم آجلاً، إلى ضغط على الدول المجاورة. ولذلك فإن الرسالة الأردنية تبدو واضحة: الأمن الإقليمي لا يبنى فقط بمنع الحروب، وإنما ببناء الدول القادرة على منع الانهيار.

وثمة خصوصية للعلاقة الأردنية الفرنسية يصعب تجاهلها. باريس ليست فقط عاصمة أوروبية كبرى، وإنما دولة لها حضور سياسي وعسكري ودبلوماسي في ملفات الشرق الأوسط. ومن هنا تكتسب الشراكة معها أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية. حين يتحدث الأردن مع فرنسا عن الدفاع، فهو يتحدث عن الأمن. وحين يتحدث معها عن غزة والضفة الغربية والقدس، فهو يتحدث عن مستقبل الإقليم. وحين يبحث معها المياه والطاقة والتجارة والاستثمار، فهو يتحدث عن قدرة الدولة الأردنية على مواجهة تحدياتها الداخلية. وهذه النقطة الأخيرة مهمة للغاية. فالأردن لا يستطيع أن يفصل بين السياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية. بلد محدود الموارد المائية، ومحاط بأزمات إقليمية، لا يملك رفاهية أن تكون علاقاته الخارجية مجرد علاقات سياسية. كل شراكة دولية ينبغي أن يكون لها، في النهاية، انعكاس على الأمن الاقتصادي والاجتماعي. ولهذا فإن مشروع الناقل الوطني للمياه والتعاون الاقتصادي مع فرنسا ليسا هامشاً في الزيارة؛ بل هما جزء من مفهوم أوسع للأمن الوطني.

وراء كل جولة ملكية تقريباً يقف ملف القدس. ليس لأن الأردن يريد أن يجعل القدس شعاراً دبلوماسياً، بل لأن القضية مرتبطة بموقع المملكة التاريخي والقانوني والديني في المدينة المقدسة، وبالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها. وفي باريس وبراغ، عاد الملك إلى التأكيد على حل الدولتين ورفض تهجير الفلسطينيين والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات. وقد تبدو براغ أقل صخباً من باريس في السياسة الدولية، لكن اختيارها يحمل دلالة مهمة. فالعلاقات الأردنية الأوروبية لا يمكن أن تقوم فقط على العواصم التقليدية مثل باريس وبرلين ولندن. الأردن يحتاج إلى توسيع شبكة علاقاته داخل القارة الأوروبية، وفتح أبواب جديدة للتجارة والاستثمار والطاقة والمياه والدفاع. وهذا ما برز في مباحثات الملك مع الرئيس التشيكي بيتر بافيل. الأردن هنا لا يبحث فقط عن أصدقاء سياسيين؛ بل عن شركاء مصالح. والفرق بين الصديق والشريك في السياسة الدولية كبير. الصديق قد يتضامن معك في البيانات، أما الشريك فيدخل معك في مشاريع واتفاقيات واستثمارات وتعاون أمني واقتصادي. ومن هذه الزاوية، تصبح براغ جزءاً من سياسة أردنية أوسع لتنويع الشراكات الأوروبية، وعدم حصر العلاقة بالقوى الأوروبية الكبرى وحدها.

وسط كل هذه الملفات الصلبة، يأتي حضور الملكة رانيا ليقدم صورة مختلفة للأردن. ففي براغ، كان لقاء الملكة بالسيدة الأولى إيفا بافلوفا وزيارة المعالم التاريخية والثقافية جزءاً من مسار آخر للدبلوماسية: مسار العلاقات الإنسانية والثقافية. هذه الدبلوماسية لا تنتج اتفاقية دفاعية، ولا توقع مشروعاً مائياً، لكنها تؤدي وظيفة لا تقل أهمية: بناء صورة الدولة وعلاقاتها على مستوى المجتمع والمؤسسات المدنية. هنا تحديداً تبرز أهمية الحضور الملكي المشترك. فالملك يحمل ملفات الأمن والسياسة والاستراتيجية، بينما تفتح الملكة مساحة لملفات التعليم والشباب والمرأة والعمل الإنساني والثقافة. إنها صورة أكثر اكتمالاً للأردن الذي يريد أن يقدمه للعالم: دولة أمن واستقرار، نعم، لكنها أيضاً دولة مجتمع وثقافة وإنسان.

ثم تأتي نيويورك، وهنا ينتقل المشهد من الدبلوماسية الثنائية إلى المسرح الدولي. خطاب الأردن في الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يُقرأ بمعزل عن المحطتين الأوروبيتين. فالمواقف التي يحملها الملك إلى نيويورك هي امتداد لما قيل في باريس وبراغ: ضرورة وقف التصعيد، دعم استقرار الدول، حماية المدنيين، التمسك بالقانون الدولي، وإيجاد أفق سياسي للقضية الفلسطينية. وبمعنى آخر، فإن الجولة تتحرك على ثلاثة مستويات مترابطة: باريس تمثل الشراكة والأمن، وبراغ تمثل توسيع العلاقات والمصالح، ونيويورك تمثل تثبيت الموقف الأردني في النظام الدولي. وهذا التسلسل ليس بلا معنى. فالدولة الصغيرة جغرافياً تستطيع أن توسع هامش حركتها إذا امتلكت شبكة واسعة من العلاقات، وإذا عرفت كيف تربط مصالحها الوطنية بالمصالح الأوسع للدول الأخرى. وهذا تحديداً ما تحاول الدبلوماسية الأردنية فعله منذ سنوات. وهذه ميزة سياسية مهمة. أن تكون حاضراً عندما تُناقش قضايا لبنان، وأن تكون حاضراً عندما تُناقش القضية الفلسطينية، وأن تكون شريكاً في ملفات مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي، وأن تكون قادراً على الحديث مع باريس وبراغ وواشنطن، وفي الوقت نفسه مع العواصم العربية. هذه ليست رفاهية دبلوماسية بالنسبة للأردن؛ إنها جزء من حماية المصالح الوطنية. وربما تكون الرسالة الأعمق في الجولة أن الأردن لا يملك ترف الانكفاء. في محيط مشتعل، لا يمكن لعمّان أن تغلق أبوابها وتنتظر أن تهدأ المنطقة. عليها أن تتحرك. أن تتحدث مع أوروبا، وأن تنسق مع الدول العربية، وأن تحافظ على قنوات الاتصال مع القوى الكبرى، وأن تدافع عن مصالحها في القدس وفلسطين، وأن تبحث في الوقت نفسه عن استثمارات ومياه وطاقة وأسواق وفرص اقتصادية.

وهنا تتجلى حكمة جلالة الملك عبدالله الثاني في إدارة موقع الأردن وسط إقليم مضطرب؛ فحرصه لا يتوقف عند التعامل مع أزمات اللحظة، وإنما يمتد إلى بناء أردن أكثر قدرة على حماية مصالحه وصون استقراره وتوسيع خياراته. فالأردن الذي يريده جلالته ليس دولة تنتظر ما تفرضه عليها التحولات الإقليمية، بل دولة تمتلك أدواتها، وتبني علاقاتها وتنوع شراكاتها، وتستثمر في الإنسان والاقتصاد والأمن، وتدافع في الوقت نفسه عن ثوابتها الوطنية والقومية. ومن هنا تأتي هذه الحركة الدبلوماسية المتواصلة بوصفها جزءاً من رؤية أوسع لبناء دولة قوية بمؤسساتها، واثقة بمكانتها، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى حماية مستقبل أبنائها في منطقة لا تمنح الدول كثيراً من الوقت أو الخيارات.

مدار الساعة ـ