أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التحول الحكومي القائم على الأثر.. تجربة أسهل للمواطن وحكومة أكثر كفاءة


الدكتور بشار الصرايرة

التحول الحكومي القائم على الأثر.. تجربة أسهل للمواطن وحكومة أكثر كفاءة

مدار الساعة ـ

لم يعد التحول الحكومي يُقاس بعدد الخدمات التي تم تحويلها إلى خدمات رقمية، أو بعدد المنصات والتقنيات التي تم إطلاقها. فالنضج الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الحكومة من رقمنة ما تقوم به إلى إعادة التفكير في كيفية عملها ولماذا تقوم به، بحيث تصبح أكثر بساطة وترابطاً واستباقية بالنسبة للمواطن، وأكثر كفاءة ومرونة في إدارة مواردها وعملياتها.

فالتحول الحكومي ليس مجرد مشروع تقني، بل هو إعادة تصميم لنموذج العمل الحكومي؛ يشمل الخدمات والعمليات والبيانات وصناعة القرار والرقابة، وينطلق من سؤال أساسي: ما الأثر الذي نريد تحقيقه للمواطن والمجتمع، وكيف يمكن للحكومة تحقيق هذا الأثر بأقل قدر ممكن من التعقيد؟

من منظور المواطن، لا تكمن القيمة في معرفة عدد الجهات المشاركة في تقديم الخدمة، أو الأنظمة التي تعمل خلفها، أو الموافقات المطلوبة لإنجازها. ما يريده المواطن هو أن تكون تجربته سهلة وسريعة ومتكاملة؛ ألا يُطلب منه تقديم المعلومة نفسها أكثر من مرة، وألا يضطر إلى التنقل بين جهات متعددة لإنجاز معاملة، وألا ينتظر إجراءً يمكن إنجازه تلقائياً.

وهنا يبدأ التحول من الخدمات المنفصلة إلى رحلة خدمة متكاملة. فبدلاً من تصميم الخدمة وفق الحدود التنظيمية لكل جهة، يتم تصميمها حول احتياجات الإنسان، بحيث تعمل الجهات والأنظمة والبيانات معاً في الخلفية، بينما يرى المواطن تجربة حكومية واحدة ومترابطة. والغاية أن ننتقل تدريجياً من مفهوم «المواطن يبحث عن الخدمة» إلى «الخدمة تستجيب لاحتياج المواطن»، وصولاً إلى خدمات أكثر استباقية تُقدم في الوقت المناسب وقبل أن يتحول الاحتياج إلى عبء على المستفيد.

ويرتبط بذلك تحول أساسي في التعامل مع البيانات، يقوم على مبدأ واضح: لا تطلب من المواطن معلومة تمتلكها الحكومة ويمكن استخدامها بصورة مشروعة وآمنة. فالتكامل وتبادل البيانات الموثوقة لا يختصران رحلة المواطن فحسب، بل يقللان أيضاً الازدواجية داخل الحكومة، ويرفعان جودة البيانات، ويتيحان للجهات بناء خدمات وقرارات أكثر دقة.

أما على مستوى العمليات، فإن التحول الحقيقي يتجاوز أتمتة الإجراءات القائمة. فليس كل إجراء ورقي يحتاج إلى نسخة رقمية، وليس كل خطوة قائمة تستحق الأتمتة. والسؤال الأهم قبل استخدام التقنية هو: هل نحتاج إلى هذا الإجراء أصلاً؟ وهل يضيف قيمة؟

ومن هنا يصبح المسار الأكثر نضجاً هو إلغاء ما لا يضيف قيمة، وتبسيط ما هو ضروري، ثم أتمتة ما تبقى. فالهدف ليس إنتاج بيروقراطية رقمية أسرع، بل إزالة البيروقراطية غير الضرورية من الأساس.

ويصل التحول إلى مستوى أعمق عندما تتغير وظيفة البيانات من مجرد إعداد التقارير إلى دعم القرار الحكومي وصناعة الأثر. فالحكومة القائمة على البيانات لا تكتفي بمعرفة ما حدث، بل تسعى إلى فهم ما يحدث الآن، واستشراف ما قد يحدث مستقبلاً، وتحديد التدخل المناسب في الوقت المناسب. وهنا تصبح تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي أدوات لرفع جودة القرار، واكتشاف المخاطر والفرص مبكراً، وتحسين توزيع الموارد، والانتقال من حكومة تتفاعل مع الأحداث إلى حكومة أكثر استباقية.

ويمتد المفهوم ذاته إلى الرقابة والامتثال. فبدلاً من الاعتماد الكامل على التقارير والمستندات والفحوصات الدورية، يمكن دمج المتطلبات والضوابط في الأنظمة والعمليات نفسها، بما يسمح بالتحقق المستمر، والكشف المبكر عن حالات عدم الامتثال، وتوجيه الرقابة إلى المجالات الأعلى خطورة، مع تقليل الأعباء الإدارية على الجهات والمتعاملين.

وهذه التحولات لا تعمل بصورة منفصلة. فكلما أصبحت الخدمة أكثر بساطة في واجهتها، كان المطلوب أن تصبح البيانات والعمليات والأنظمة والجهات أكثر تكاملاً في خلفيتها. وكلما أصبحت الحكومة أكثر استباقية، زادت أهمية حوكمة البيانات، وحماية الخصوصية، والأمن السيبراني، والثقة الرقمية، والحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي.

وهنا تتحقق القيمة في اتجاهين متكاملين :

بالنسبة للمواطن، يعني التحول وقتاً أقل، وخطوات أقل، وطلبات أقل للبيانات، وتنقلاً أقل بين الجهات، وخدمات أكثر تكاملاً واستباقية، وتجربة حكومية تنسجم بصورة أفضل مع احتياجات حياته.

وبالنسبة للحكومة، يعني عمليات أقل تعقيداً، وازدواجية أقل، وبيانات أكثر جودة، وقرارات أسرع وأكثر دقة، ورقابة أكثر فاعلية، وتكاليف تشغيلية أقل، وقدرة أكبر على توجيه الموارد البشرية والمالية نحو المجالات التي تحقق قيمة وأثراً أكبر.

ومن هنا يمكن تلخيص جوهر التحول الحكومي القائم على الأثر في معادلة بسيطة:

قيمة أكبر للمواطن + كفاءة أعلى للحكومة = أثر حكومي أفضل ومستدام.

وهذه المعادلة تقودنا أيضاً إلى إعادة التفكير في كيفية قياس نجاح التحول الحكومي. فبدلاً من أن يكون السؤال فقط: كم خدمة قمنا برقمنتها؟ يصبح من الأهم أن نسأل: كم إجراءً استطعنا إلغاءه؟ كم وقتاً وجهداً وفرنا على المواطن؟ كم مرة لم نعد نطلب منه بيانات تمتلكها الحكومة؟ كم خدمة أصبحت استباقية؟ كم ازدواجية أزلناها داخل الحكومة؟ وكم تكلفة وموارد استطعنا توفيرها مع تحسين جودة الخدمة والقرار؟ عندها ننتقل فعلياً من قياس حجم الرقمنة إلى قياس أثر التحول.

فمستقبل الحكومة ليس في إضافة المزيد من المنصات أو تحويل المزيد من الإجراءات التقليدية إلى إجراءات إلكترونية، بل في بناء حكومة مترابطة، استباقية، قائمة على البيانات، ومتمحورة حول الإنسان؛ حكومة تعمل منظومتها بكفاءة في الخلفية، بينما يلمس المواطن أثرها في بساطة تجربته وسهولة حياته، وتلمس الحكومة أثرها في كفاءة عملياتها وجودة قراراتها واستدامة مواردها.

التحول الحكومي الناجح هو أن يشعر المواطن بأن حياته أصبحت أسهل، وأن تثبت الحكومة أن أداءها أصبح أكثر كفاءة ... والأثر هو الغاية… والتقنية هي الممكن.

مدار الساعة ـ