أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الصناعيون ينتخبون... ولكن لماذا لا يترشحون؟


الدكتور جورج طناس ابوعيطه

الصناعيون ينتخبون... ولكن لماذا لا يترشحون؟

مدار الساعة ـ

هناك ما يستحق التوقف عنده في انتخابات غرف الصناعة الأردنية لهذا العام، ليس بسبب حدة المنافسة، بل بسبب غيابها إلى حد كبير. فعندما يكون لدينا 36 مقعدًا في مجالس غرف صناعة عمّان والزرقاء وإربد والأردن، ويتقدم لشغلها 37 مرشحًا فقط، فإن الرقم بحد ذاته يفرض سؤالًا لا يمكن تجاوزه.

ثلاث من هذه الغرف حُسمت مقاعدها بالتزكية، فيما بقيت المنافسة في غرفة صناعة عمّان محدودة بعشرة مرشحين على تسعة مقاعد. أي أننا، عمليًا، أمام انتخابات يكاد عدد المرشحين فيها يتطابق مع عدد المقاعد.

وهنا أود أن أوضح منذ البداية أن ما أطرحه في هذه المقالة لا يتعلق بالأشخاص، ولا يحمل أي انتقاد لأي من المرشحين أو الفائزين. بل إنني أكنّ كل الاحترام والتقدير لكل صناعي تقدم لتحمل مسؤولية العمل العام وخدمة زملائه وقطاعه، سواء فاز بالتزكية أو من خلال الانتخابات، وكذلك لكل من خاض المنافسة ولم يحالفه النجاح. القضية التي أطرحها ليست من ترشح ومن فاز وإنما لماذا لم يترشح عدد أكبر من الصناعيين

قد يقول البعض إن ضعف المنافسة يعكس حالة من التوافق بين الصناعيين، وقد يكون هذا صحيحًا. لكن المشهد يصبح أكثر إثارة للتساؤل عندما نتذكر أن انتخابات غرف الصناعة في الأردن عُرفت عادة بارتفاع نسب المشاركة. ففي انتخابات عام 2022 تجاوزت نسبة الاقتراع 88 في المئة، وهي نسبة تعكس اهتمامًا واضحًا من الصناعيين بمن يمثلهم وبمؤسساتهم المنتخبة.

على سبيل المثال وفي غرفة صناعة عمّان تحديدًا يصبح السؤال أكثر وضوحًا. ففي انتخابات 2022 تنافس 18 مرشحًا على المقاعد التسعة لمجلس الإدارة، بينما يتنافس اليوم عشرة فقط على المقاعد ذاتها. هذا التراجع في حجم المنافسة يستحق القراءة، ولا ينبغي أن يمر باعتباره مجرد رقم انتخابي.

بكل صراحة لا أعتقد أن هناك سببًا واحدًا يمكن أن يفسر هذا المشهد. ربما يكون جزء من الإجابة في حالة التناغم والتواصل القائمة بين الحكومة وغرف الصناعة. فالحوار موجود، وقنوات التواصل مفتوحة، وقد يرى بعض الصناعيين أن العلاقة المؤسسية تسير بصورة جيدة، وأن الحاجة إلى الدخول في منافسة انتخابية واسعة من أجل التغيير ليست ملحّة. وهذا التناغم مطلوب في الأصل. فالعلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص يجب أن تقوم على الحوار والشراكة والبحث المشترك عن الحلول، لا على المواجهة. لكن التناغم بين الحكومة والغرف لا يعني بالضرورة غياب الإحباط لدى الصناعي نفسه. فمن يعيش تفاصيل القطاع ويلتقي بأصحاب المصانع يستطيع أن يلمس حجم الضغوط التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة. كلف الإنتاج والطاقة والتمويل، وتحديات العمالة، والمنافسة، والإجراءات، وصعوبة الوصول إلى بعض الأسواق، كلها أصبحت جزءًا من يوميات الصناعي.

وفوق كل ذلك يأتي الواقع الإقليمي. الصناعي الأردني لا يعمل في جزيرة معزولة، بل يعمل في منطقة شديدة الحساسية للتطورات السياسية والأمنية والاقتصادية. فالأردن يتأثر بأي عطسة في الإقليم وإذا عطس الإقليم، يُصاب الأردن بالزكام وما يحدث حول الأردن يصل سريعًا إلى أبواب المصنع. حرب أو أزمة سياسية أو إغلاق معبر أو اضطراب طريق تجاري قد يرفع كلف النقل والتأمين، ويؤخر الصادرات، أو يجعل الوصول إلى سوق كان مستقرًا بالأمس أكثر صعوبة اليوم. قد يعمل الصناعي سنوات على فتح سوق جديدة، ثم يأتي حدث سياسي لا علاقة له به ليغير حساباته خلال أيام. وقد يرفع إنتاجيته ويخفض كلفته ويحسن منتجه، ثم يجد نفسه أمام ظروف خارجية لا يملك أي قدرة على التحكم بها. وهنا يظهر نوع آخر من الإحباط.

فإذا كانت المشكلة داخل المصنع، يستطيع الصناعي البحث عن حل لها. وإذا كانت تشريعًا أو إجراءً محليًا، يستطيع أن يطالب غرفته بالحوار مع الحكومة لمعالجتها. ولكن ماذا يستطيع أن يفعل عندما تكون المشكلة حربًا في المنطقة، أو اضطرابًا في طريق تجاري، أو إغلاق سوق تصديري؟ بل ماذا يستطيع عضو مجلس إدارة غرفة صناعية نفسه أن يفعل أمام ظروف سياسية واقتصادية تتجاوز في بعض الأحيان قدرة الغرفة والحكومة معًا؟ مع تراكم هذه الظروف، قد يبدأ السؤال لدى الصناعي بالتحول من: «ماذا أستطيع أن أقدم للقطاع؟» إلى سؤال آخر: «ماذا سأستطيع فعلًا أن أغيّر إذا ترشحت؟»

ولا يمكن أيضًا فصل المشهد الحالي عن ذاكرة التجارب السابقة، وخصوصًا في غرفة صناعة عمّان. فقد شهدت دورات سابقة منافسة قوية، لكنها شهدت كذلك خلافات داخل مجالس الإدارة، ووصل بعضها إلى استقالات واتهامات معلنة من أطراف في تلك الخلافات بالتفرد بالقرار والإقصاء والتهميش. وللتأكيد مرة أخرى، فإن الإشارة إلى هذه الخلافات لا تهدف إلى تبني رواية طرف ضد آخر، ولا إلى إعادة فتح ملفات الماضي أو توجيه النقد لأي شخص. فالاختلاف أمر طبيعي في المؤسسات المنتخبة، ولكل طرف في تلك التجارب وجهة نظره. ما يعنيني هنا فقط هو التساؤل عما إذا كانت تلك التجارب قد تركت أثرًا في رغبة بعض الصناعيين في خوض العمل العام.

فالصناعي عندما يفكر في الترشح لا يسأل فقط: هل أستطيع الفوزبل يسأل أيضًا: ماذا سيحدث بعد الفوز وهل سأكون شريكًا حقيقيًا في القرار؟ هل سيكون للرأي المختلف مكان؟ هل سأستطيع تقديم أفكاري إذا كنت ضمن الأقلية؟ وهل يستحق الأمر أن أقتطع جزءًا كبيرًا من وقتي وجهدي من مصنعي وأعمالي إذا كنت لا أشعر بأن وجودي سيصنع فرقًا؟

وهنا تبرز أهمية الحوكمة داخل المؤسسات التمثيلية. فالمجلس القوي ليس المجلس الذي لا يختلف أعضاؤه، وإنما المجلس الذي يستطيع أعضاؤه أن يختلفوا، وأن تبقى أبواب المشاركة وصناعة القرار مفتوحة أمام الجميع.

وعندما نجمع هذه العوامل معًا، ربما يصبح المشهد الحالي أكثر وضوحًا.

قد يكون هناك رضا عن المجالس الحالية، وقد تكون هناك توافقات داخل الجسم الصناعي، وقد يكون التناغم بين الحكومة والغرف قد قلل الرغبة في التغيير. وفي المقابل، قد يكون هناك إحباط من الواقع الاقتصادي، وتعب من سنوات متواصلة من التحديات، وشعور بمحدودية القدرة على التأثير في ظل ظروف إقليمية صعبة، ولكن ايضا لا نستطيع ان ننكر ان الخلافات السابقة تركت أيضًا أثرًا لدى البعض ولم يتم حل هذه الخلافات في المجالس السابقة

لذلك بأعتقادي ان ما نمر به اليوم هو مزيج من الرضا والتوافق والإحباط والتعب والشعور بمحدودية القدرة على التأثير. ولا يمكن معرفة وزن كل عامل من هذه العوامل من دون الاستماع إلى الصناعيين أنفسهم.

ولهذا سيكون من المفيد، بعد انتهاء الانتخابات، ألا تكتفي غرف الصناعة بقراءة نسب الاقتراع، بل أن تقرأ أيضًا أرقام الترشح، وأن تسأل أعضاء هيئاتها العامة، وخصوصًا أصحاب الخبرة والكفاءة الذين اختاروا عدم خوض الانتخابات. القطاع الصناعي الأردني لا يفتقر إلى الكفاءات. لدينا صناعيون بنوا مصانع من الصفر، وفتحوا أسواقًا خارجية، وصدّروا المنتج الأردني إلى عشرات الدول، وعبروا بأعمالهم أزمات اقتصادية وسياسية وإقليمية متتالية. إذن، المشكلة ليست في عدم وجود من يستطيع تحمل المسؤولية. بل لم يعد عدد كبير منهم راغبًا في تحملها.

التزكية ليست عيبًا، والتوافق ليس أمرًا سلبيًا، والتناغم بين الحكومة والقطاع الصناعي أمر مطلوب. بل إن كل من تقدم لهذه المسؤولية يستحق التقدير على استعداده لخدمة القطاع. لكن المؤسسات التمثيلية تحتاج أيضًا إلى المنافسة، وتعدد الأفكار، وتجدد الدماء، وإلى شعور حقيقي لدى الصناعي بأن دخوله إلى العمل العام يمكن أن يصنع فرقًا.

ولهذا فإن رقم 37 مرشحًا لـ36 مقعدًا لا ينبغي أن يمر باعتباره مجرد رقم انتخابي.

قد يكون رسالة رضا وثقة، وقد يكون نتيجة توافق، وقد يكون انعكاسًا للظروف الاقتصادية والإقليمية، وقد يكون للخلافات السابقة أثر فيه، وقد يحمل أيضًا شيئًا من الإحباط الذي يشعر به جزء من الصناعيين. وربما تكون الحقيقة مزيجًا من كل ذلك.

ستنتهي الانتخابات، وستُعرف أسماء المجالس الجديدة، وإن كانت معظم المقاعد قد حُسمت عمليًا قبل فتح صناديق الاقتراع. وهنا أجدد احترامي لكل من ترشح ولكل من تحمل أو سيتحمل مسؤولية تمثيل القطاع الصناعي، فالمقال ليس تقييمًا لأشخاص ولا حكمًا على مجالس، وإنما محاولة لقراءة ظاهرة تستحق النقاش.فالسؤال الأهم هذه المرة ربما ليس: من فاز؟ بل: لماذا لم يترشح الآخرون؟ والإجابة الصريحة عن هذا السؤال قد تخبرنا عن واقع الصناعة والعمل المؤسسي الصناعي في الأردن أكثر مما ستخبرنا به نتائج الانتخابات نفسها.

مدار الساعة ـ