ينطلق نبض الدولة الأردنية ورؤيتها الاستراتيجية دائماً من ثوابت راسخة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية الجبهة الداخلية، وصون الأمن القومي، والذود عن تراب الوطن ومياهه في وجه شتى التحديات والمهددات الإقليمية. وفي هذا السياق العالي الأهمية، جاء خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليؤكد مجدداً أن قوة الأردن الخارجية وانحيازه الدائم للقضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، يستندان إلى منعة داخلية صلبة وجيش عربي باسل وأجهزة أمنية ساهرة لا ترضى بديلًا عن السيادة والكرامة.
من هنا، وضع جلالة الملك الشأن الداخلي وأمن الحدود في صدارة أولويات الطرح الأممي، موجهاً رسائل حازمة وحاسمة لا تقبل التأويل ولا التأجيل؛ فحماية الحدود الأردنية المنيعة ومنع أي محاولات لاختراقها أو العبث بها تمثل خطاً أحمر وغاية لا تفاوض فيها. وإلى جانب أمن الحدود، سلط جلالته بلهجة حاسمة الضوء على التحديات الجسيمة المتعلقة بالأمن المائي للمملكة، مبيناً أن المياه والموارد الحيوية للوطن هي ركيزة أساسية من ركائز البقاء والوجود التي لن يسمح الأردن بالمساس بها أو الانتقاص من حقوقه فيها تحت أي ظرف من الظروف. إن هذه الصراحة الملكية تعكس إدراكاً عميقاً لحجم المخاطر المجاورة، وتؤكد أن الدولة الأردنية بكل مؤسساتها تقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه المساس بأمن واستقرار مواطنيها ومقدراتهم. هذه الحصانة الداخلية المتينة لم تكن يوماً بمعزل عن نبض الأمة وهمومها القومية، بل شكلت القاعدة الصلبة والعمق الاستراتيجي الذي انطلق منه جلالة الملك ليخاطب ضمير العالم أجمع مدافعاً عن عدالة القضية الفلسطينية وعن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته المستقلة. فلم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة للأردن مجرد ملف دبلوماسي، بل هي قضية وجود وأولوية مطلقة لا تقبل المساومة ولا التنازل. لقد ارتقى الطرح الملكي ليكون إدانة صارخة لضمير عالمي صامت، مؤكداً أن الأردن لن يهنأ له بال ولن يقر له قرار حتى ينال الشعب الفلسطيني الشقيق حقوقه العادلة على ترابه الوطني، ومبيناً بلسان عربي مبين أن أمن المنطقة واستقرارها رهين برفع الظلم التاريخي عن فلسطين، وأن محاولة تجاوز الحق الفلسطيني أو الالتفاف عليه هي أوهام سترتطم حتماً بصخرة الصمود الأردني والفلسطيني المشترك. ومن قلب هذه المواقف الثابتة، أثبت الطرح الأممي أن الأردن، وهو يواجه إكراهات الشح والتحديات الإقليمية ويتحمل أعباء هائلة نيابة عن الإنسانية جمعاء في إيواء الملايين، يرفض بحسم قاطع أي أوهام تستهدف تصدير الأزمات إليه أو الترويج لمشاريع "الوطن البديل" المشبوهة. لقد أعلنها جلالته مدوية أن الأردن باقٍ على العهد، سنداً لأشقائه، وحارساً أميناً للوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، ليؤكد للعالم أجمع أن دفاعه عن عروبة القدس هو امتداد طبيعي لدفاعه عن سيادته واستقلاله. ختاماً، رسم الخطاب الملكي السامي معادلة وطنية متكاملة ترتبط فيها حماية الجبهة الداخلية وأمن الحدود والمياه ارتباطاً وثيقاً بالدور الريادي للأردن على الساحة الدولية. إنه تأكيد بليغ على أن الأردن، بقيادته الحكيمة ووعي شعبه ويقظة قواته المسلحة وأجهزته الأمنية، سيبقى طوداً أشمّ، يوازن بحنكة بالغة بين حماية مصالحه العليا وصون أمنه القومي، وبين الوفاء لرسالته التاريخية في نصرة الحق والعدل والسلام العادل في المنطقة والعالم.
جبهةٌ تحرس الحدود وضميرٌ يحمل القُدس
مدار الساعة ـ