أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
حين ينهض الأردن في الكلام… ينهض

حين ينهض الأردن في الكلام… ينهض التاريخ معه


الدكتور أحمد بني عطا

حين ينهض الأردن في الكلام… ينهض التاريخ معه

مدار الساعة ـ

كلمة الملك في الأمم المتحدة: حين تكون الدولة أكبر من جغرافيتها، ويكون الموقف أبلغ من كل الخطب

ثمة لحظات لا تُقاس بعدد الكلمات التي قيلت فيها، وإنما بوزنها في ميزان التاريخ.

وثمة خطابات لا تحتاج إلى كثير شرح، لأنها حين تُقال، تُخرج الوطن من حدود الخريطة إلى فضاء المعنى؛ فيصبح التراب موقفًا، والحدود سيادة، والماء أمنًا، والإنسان قضية، والسلام مشروعًا لا شعارًا.

وفي نيويورك، لم يكن الأردن يرسل إلى العالم كلمة عابرة.

كان الأردن يتحدث عن نفسه.

كان يتحدث بلسان ملكٍ يعرف أن بعض الجمل لا تُكتب بالحبر، وإنما تُكتب بماء الوطن، وبكرامة شعبه، وبذاكرة دولةٍ لم تتعلم يومًا أن تنحني أمام العواصف.

في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني ليضع أمام العالم صورة إقليمٍ يضيق بالدم، ويزدحم بالأزمات، ويعيش على حافة تحولات كبرى. لكنه، في الوقت ذاته، وضع صورة الأردن كما يريدها أن تبقى: دولةً منفتحة على الحوار، ثابتة على المبادئ، يقظة تجاه أمنها، وصريحة في الدفاع عن مصالحها.

ولعل أكثر ما يلفت في الخطاب أن الأردن لم يتحدث من موقع الخائف، ولا من موقع المتفرج.

تحدث من موقع الدولة التي تعرف أن الهدوء ليس غفلة، وأن الدبلوماسية ليست انحناءً، وأن اليد التي تمتد للسلام تستطيع، في اللحظة ذاتها، أن تكون يقظة في حماية الوطن.

وحين قال جلالة الملك إن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، لم تكن الكلمات مجرد توصيف سياسي؛ كانت ترسيمًا واضحًا لخطوط لا يملك أحد حق تجاوزها. ثم جاء التأكيد أكثر وضوحًا: الأردن لن يشيح بنظره، وسيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.

وهنا تتجلى هيبة الدولة.

الدول لا تُقاس بمساحاتها وحدها، ولا بعدد سكانها، ولا بما تختزنه أرضها من ثروات؛ وإنما بما تمتلكه من وضوح حين تضطرب البوصلة، وثبات حين تتبدل المواقف، ووعي حين تتسع الفوضى.

والأردن، في واحدة من أكثر لحظاته الإقليمية تعقيدًا، يقول للعالم:

نحن لا نبحث عن صراع، لكننا نعرف كيف نحمي حدودنا.

لا نغلق باب الحوار، لكننا لا نخلط الحوار بالتنازل.

نمد يدنا للسلام، لكننا لا نسمح لأحد أن يقرأ السلام ضعفًا.

وهذه ليست لغة اللحظة.

هذه لغة دولة.

وفي القضية الفلسطينية، لم يأتِ الخطاب الملكي ليضيف صوتًا جديدًا إلى ضجيج العالم، بل ليذكّر العالم بما يعرفه ثم يتجاهله.

فالصراع الذي طال أمده لا يصبح أقل ظلمًا لأنه طال، والدم الذي اعتاد العالم مشاهدته لا يصبح أقل حرمة لأنه تكرر، والتهجير لا يتحول إلى حقيقة مشروعة لمجرد أن الزمن مرّ عليه.

لقد حذّر جلالة الملك من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون حل، وانتقد الاكتفاء بإدارة الصراع بدلًا من السعي إلى حله، مؤكدًا أن السلام المستدام يرتبط بإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة ضمن حل الدولتين.

وهنا لا يتحدث الأردن عن قضية موسمية.

ففلسطين في الوعي الأردني ليست عنوانًا طارئًا في نشرات الأخبار، والقدس ليست مجرد اسم في خارطة، والمقدسات ليست تفصيلًا في خطاب سياسي.

إنها جزء من ذاكرة المكان، ومن تاريخ الهاشميين، ومن مسؤولية تؤكدها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

ولهذا ظل الصوت الأردني، مهما اشتدت العواصف، واضحًا في أن السلام الحقيقي لا يُبنى فوق أنقاض العدالة، وأن الاستقرار لا يولد من تجاهل الحقوق.

لكن ما يجعل الخطاب الملكي أكثر من مجرد موقف سياسي هو أنه يضع الإنسان في قلب المشهد.

في عالم أصبحت فيه الأزمات تتوالى بسرعة حتى تكاد مأساة اليوم تزيح مأساة الأمس من ذاكرة الناس، بدأ جلالة الملك من فكرة شديدة الدلالة: أن الانتباه نفسه أصبح موردًا نادرًا، وأن اختيار ما نلتفت إليه أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.

يا لها من مفارقة!

العالم يملك من المعرفة ما لم يمتلكه في أي عصر سابق، لكنه يواجه في الوقت ذاته خطر أن يرى كل شيء ولا يتوقف طويلًا أمام شيء.

صور الحروب تمر أمام العيون.

أخبار الضحايا تتوالى.

الخرائط تتغير.

والأزمات تتكاثر.

ثم ينتقل العالم إلى الخبر التالي.

وهنا تأتي الكلمة الملكية لتقول: لا تجعلوا كثرة المآسي ذريعة للاعتياد عليها.

فوراء كل رقم إنسان.

ووراء كل حدود حكاية.

ووراء كل حرب بيتٌ تهدم، وأمٌّ تنتظر، وطفلٌ كبر قبل أوانه.

وهذا هو جوهر الرسالة التي يحملها الأردن: أن السياسة، مهما بلغت تعقيداتها، يجب ألا تفقد إنسانيتها.

ولأن الأردن يعرف نفسه، لم يتحدث الملك عن بلده بوصفه دولة تبحث عن التصفيق.

تحدث عن نموذج يريد للأردن أن يبنيه؛ نموذج يقوم على القيم والمبادئ، ويتسم بالانفتاح والثبات في زمن تتبدل فيه الحسابات السياسية بسرعة. كما أكد أن الأردن مستعد للحوار مع الجميع والعمل مع كل من يسعى إلى السلام، مع التشديد على أن التمسك بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضعف.

وهنا تكمن فلسفة الأردن.

أن تكون متسامحًا دون أن تكون مستباحًا.

وأن تكون معتدلًا دون أن تكون مترددًا.

وأن تكون دبلوماسيًا دون أن تكون متنازلًا.

وأن تختار السلام دون أن تتخلى عن القوة التي تحميه.

تلك ليست معادلة سهلة.

لكنها، في التجربة الأردنية، أصبحت جزءًا من هوية الدولة.

ولعل أجمل ما في المشهد أن خلف الملك كان يقف الأردن كله.

يقف الجيش العربي الذي كتب في ذاكرة الوطن صفحات من التضحية.

وتقف مؤسسات الدولة.

ويقف المواطن الأردني الذي عرف، رغم قسوة الإقليم، كيف يحافظ على وطنه بيتًا آمنًا.

ويقف تاريخ الهاشميين الذي جعل من الاعتدال مسؤولية، ومن القدس قضية، ومن خدمة الإنسان مبدأ.

ويقف إلى جوار الملك ولي العهد الأمير الحسين، بما يحمله حضوره من معنى الاستمرارية؛ فالدولة لا تعيش لحظة واحدة، وإنما تمضي من جيل إلى جيل، ومن عهد إلى عهد، ومن أمانة إلى أمانة.

وفي ذلك كله، تبدو صورة الأردن واضحة:

بلدٌ صغير على الخريطة، كبيرٌ في قدرته على أن يقول كلمته.

يا أيها العالم

حين يتحدث الأردن، لا تسمعوا فقط صوت دولة تقع في قلب منطقة مضطربة.

اسمعوا صوت دولة اختبرت النار من حولها، ولم تسمح لها أن تحرق بيتها.

اسمعوا صوت بلدٍ عاش جوار الحروب، لكنه اختار أن يكون بيتًا للسلام.

اسمعوا صوت وطنٍ يعرف أن حدوده ليست خطوطًا على ورق، وأن مياهه ليست مجرد مورد، وأن أمنه ليس مادة للتفاوض.

واسـمعوا، قبل كل شيء، صوت شعب يريد أن يعيش.

يريد أن يرى أبناءه في مدارسهم، وشبابه في جامعاته، وحقوله عامرة، وبيوته مطمئنة، ومستقبله مكتوبًا بيده.

ذلك هو الأردن الذي تحدث عنه الملك.

وفي زمنٍ تُقاس فيه بعض الدول بما تملك، يبقى الأردن يصر على أن يُقاس بما يحميه.

يحمي الإنسان.

يحمي الدولة.

يحمي المقدسات.

يحمي حدوده.

يحمي ماءه.

يحمي كرامته.

ويحمي، وسط هذا الركام كله، فكرةً عظيمة اسمها السلام.

لكن السلام الأردني ليس سلامًا مستسلمًا.

إنه سلام الواثق.

سلام من يعرف أن الحوار قوة، وأن الحكمة قوة، وأن الصبر قوة، وأن الحق حين يكون وراءه وطنٌ مؤمن به، لا يحتاج إلى ضجيج كي يكون مسموعًا.

هكذا وقف الأردن في نيويورك.

لا متعاليًا على العالم، ولا متقوقعًا عنه.

بل واقفًا في مكانه الطبيعي:

صوتًا للعقل حين يعلو الصخب،

وصوتًا للحق حين يكثر الالتباس،

وصوتًا للإنسان حين تتقدم السياسة على الإنسان.

وهكذا كان خطاب الملك.

لم يكن مجرد كلمات قيلت في قاعة الأمم المتحدة.

كان مرآةً لوطنٍ يعرف ماذا يريد، ويعرف ماذا يرفض، ويعرف أن التاريخ لا يرحم الدول التي تفقد بوصلتها.

وفي آخر الأمر، تبقى للأردن جملة واحدة تختصر الحكاية كلها:

نحن هنا.

هنا، على هذه الأرض التي حملت خطى الهاشميين.

هنا، في وطنٍ لم يبع هدوءه، ولم يرهن قراره، ولم يجعل من اعتداله بابًا للتنازل.

هنا، في بلد أبي الحسين.

بلدٌ إذا قال ملكه: سنحمي أمننا ومياهنا ومصالح شعبنا، عرف الأردنيون أن وراء الكلمات دولةً تعرف معنى الأمانة، وشعبًا يعرف معنى الوطن.

فحين يتحدث الملك… لا يتكلم فردٌ عن وطن.

إنما يتكلم وطنٌ بصوت ملك

مدار الساعة ـ