أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

إلى أصحاب خطوط الباصات العاملة داخل المدن والقرى وبينها: نداء من القلب للقلب


أ.د محمد الفرجات

إلى أصحاب خطوط الباصات العاملة داخل المدن والقرى وبينها: نداء من القلب للقلب

مدار الساعة ـ

مقال اليوم هو نداء ورجاء أوجهه بإسمي وبإسم كل المواطنين في مملكتنا العزيزة إلى الإخوة مالكي الباصات العاملة داخل المدن والقرى وبينها،

أعرف أن وراء كل حافلة تشتغل على خط من خطوطنا أسرةً ورزقًا واستثمارًا وتعب سنوات، وأعرف أن كثيرًا منكم بدأ بهذا العمل لأنكم أردتم مصدر دخل كريمًا ومستقرًا، وأنكم تتحملون تكاليف الوقود والصيانة والإطارات والتراخيص والأجور والأعطال والمخاطر، وتواجهون يوميًا ظروف الطريق والازدحام وتقلب أعداد الركاب.

ولذلك فإن الحديث عن دمج وتنظيم قطاع النقل العام لا ينبغي أن يُفهم على أنه حديث ضد مالك الحافلة أو ضد مصدر رزقه، بل العكس تمامًا.

إنني أراه فرصة لإعادة تنظيم هذا القطاع بطريقة تجعل مالك الحافلة شريكًا في منظومة نقل وطنية حديثة، بدل أن يبقى وحده في مواجهة السوق والطريق والمخالفات والمنافسة غير المنظمة والمخاطر.

أخي مالك الحافلة...

تخيل أن حافلتك لم تعد تعمل في سوق مفتوح على الاجتهادات اليومية، وإنما أصبحت جزءًا من شركة أو منظومة نقل منظمة، لها خطوط واضحة، وجداول تشغيل، ومحطات محددة، وغرف عمليات، وأنظمة دفع ومتابعة، وصيانة دورية، ومعايير واضحة للسائقين والحافلات.

تخيل أن قيمة استثمارك أصبحت جزءًا من منظومة أكبر وأكثر استقرارًا، وأن تشغيل الحافلة أصبح قائمًا على خطة وليس على انتظار الراكب أو مطاردة الحافلة الأخرى على الخط.

وتخيل أن الدولة لا تطلب منك التخلي عن رزقك، بل تعمل معك على انتقال تدريجي ومدروس من الوضع الحالي إلى نموذج حديث، مع حوافز وضمانات وآليات تحفظ حقوق المالكين وتساعدهم على التطور.

هنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل الدمج خسارة لمالك الحافلة، أم يمكن أن يكون وسيلة لحماية استثماره وتنميته؟

ماذا يمكن أن يكسب مالك الحافلة؟

أولًا: استقرار التشغيل والدخل.

عندما يصبح الخط جزءًا من شبكة نقل مخططة، فإن التشغيل لا يبقى رهينًا لعدد الركاب في ساعة معينة أو للمنافسة بين حافلات الخط الواحد، بل يصبح جزءًا من برنامج تشغيل معروف.

ثانيًا: تحويل المنافسة من منافسة على الركاب إلى منافسة على جودة الخدمة.

بدل أن يتسابق سائقان للحاق بالراكب، يصبح لكل حافلة دور وزمن ومسار محدد، ويصبح انتظام الخدمة هو الأساس.

ثالثًا: تقليل المخاطر على رأس المال.

الحافلة أصل استثماري، والحفاظ عليها من خلال الصيانة الدورية والفحص المستمر والتشغيل المنظم يحافظ على قيمتها ويطيل عمرها التشغيلي.

رابعًا: توفير منظومة صيانة وتشغيل أكثر كفاءة.

الشركات والمنظومات الكبيرة تستطيع التفاوض على الوقود والزيوت والإطارات وقطع الغيار والتأمين والصيانة بكميات أكبر، ما يفتح المجال لتخفيض الكلف التشغيلية مقارنة بالعمل الفردي المتفرق.

خامسًا: تحسين مكانة السائق وظروف عمله.

السائق المحترف سيكون موظفًا أو مشغلًا وفق نظام واضح، له ساعات عمل محددة، وتدريب، وحقوق وواجبات، بدل أن يتحول ضغط العمل والمنافسة إلى سبب للسرعة والمخاطرة.

سادسًا: حماية الاستثمار من التآكل.

الحافلة التي تعمل ضمن منظومة حديثة يمكن أن تخضع لبرنامج إحلال تدريجي، بحيث يتم الانتقال من الحافلات الصغيرة القديمة إلى حافلات أكبر وأكثر راحة وأمانًا وفق خطة زمنية، بدل أن يتحمل المالك وحده عبء التغيير المفاجئ.

سابعًا: فتح المجال أمام التوسع.

مالك الحافلة اليوم قد يمتلك حافلة واحدة أو أكثر. وفي منظومة منظمة يمكن أن يصبح شريكًا في شركة نقل أكبر، وأن تتحول ملكية الحافلة من عمل فردي محدود إلى استثمار قابل للنمو والتوسع.

ثامنًا: وضوح العلاقة مع الدولة والجهات المنظمة.

بدل تعدد المرجعيات والاجتهادات والمشكلات اليومية، تكون هناك منظومة واضحة تحدد المسؤوليات والمعايير وحقوق المشغلين وواجباتهم.

والأهم من كل ذلك...

إن الدمج المنظم لا يعني بالضرورة أن يأتي يوم يُقال فيه لمالك الحافلة: "اترك عملك وانتهى الأمر".

بل يمكن أن يكون الانتقال تدريجيًا، تشاركيًا ومحفزًا، بحيث تكون للحافلات القائمة والمالكين الحاليين مكانة أساسية في المنظومة الجديدة.

يمكن أن تكون هناك برامج لاستبدال الحافلات القديمة، وتمويل ميسر، وحوافز للانضمام، وآليات عادلة لتقييم الأصول، وفرص للمشاركة في الشركات المشغلة، وبرامج تدريب للسائقين، بحيث لا يشعر صاحب الحافلة أنه خسر ما بناه خلال سنوات.

أنتم لستم خارج الحل... أنتم جزء أساسي منه.

وماذا سيكسب المواطن؟

سيكسب المواطن قبل كل شيء الوقت والكرامة والأمان.

سيعرف متى تأتي الحافلة، وأين تتوقف، وأين تصل، وكم تستغرق الرحلة.

سيجد حافلة أنظف وأكثر راحة، وسائقًا مدربًا، ومحطات منظمة، وأنظمة دفع حديثة، ومعلومات واضحة عن المسار.

وسيتمكن الطالب والموظف والمسن والأم والطفل من استخدام النقل العام بثقة أكبر.

عندها لن تكون الحافلة مجرد وسيلة اضطرارية لمن لا يملك سيارة، بل تصبح خيارًا عمليًا ينافس السيارة الخاصة.

وماذا ستكسب المملكة؟

عندما تصبح الحافلات الكبيرة أكثر انتظامًا وقدرة على نقل أعداد أكبر من المواطنين، فإن عدد الرحلات بالسيارات الخاصة يمكن أن ينخفض، وهذا يعني ضغطًا أقل على الشوارع ومواقف السيارات.

حافلة واحدة ذات سعة كبيرة يمكن أن تنقل عددًا من الركاب يعادل عشرات السيارات الخاصة، وبالتالي فإن تطوير النقل الجماعي ليس مجرد مشروع نقل، بل هو مشروع اقتصادي ومروري وبيئي وتنموي.

وكل رحلة ينتقل فيها المواطن بحافلة منظمة بدل سيارة خاصة تعني استهلاكًا أقل للوقود على مستوى المنظومة، وضغطًا أقل على الطرق، وانبعاثات أقل، وضجيجًا أقل، وحاجة أقل إلى توسيع الشوارع باستمرار.

كما أن قطاع النقل الحديث يمكن أن يوفر فرصًا جديدة في التشغيل والصيانة والإدارة والتقنية والبرمجيات وأنظمة الدفع والمراقبة والمحطات والخدمات اللوجستية.

وهنا تتحول الحافلة من مجرد وسيلة نقل إلى جزء من الاقتصاد الحضري الذكي.

أيها الإخوة أصحاب الحافلات...

أنتم أول من يجب أن يستفيد من عملية التطوير، لأنكم أصحاب الخبرة في هذا القطاع، وأنتم الذين تعرفون الخطوط والركاب والمشكلات اليومية أكثر من أي مكتب أو دراسة.

لذلك لا ينبغي أن تكون العلاقة بين الدولة ومالكي الحافلات علاقة "أوامر وتنفيذ"، وإنما شراكة في صناعة الحل.

اجلسوا مع الحكومة، ناقشوا حقوقكم ومخاوفكم، قدموا مقترحاتكم، وطالبوا بضمانات عادلة، واطلبوا أن تكون الحوافز بحجم التحول المطلوب.

وفي المقابل، دعونا نتفق على مبدأ بسيط:

لا يمكن أن يبقى نقل الأردنيين قائمًا إلى الأبد على نموذج فردي يحتاج فيه كل مالك وسائق إلى اجتهاده الخاص في إدارة خط ينقل أرواح الناس.

العالم يتغير، والمدن تكبر، والتكنولوجيا دخلت كل تفاصيل حياتنا، ومن الطبيعي أن يتطور النقل العام أيضًا.

والانتقال إلى منظومة حديثة لا يعني إلغاء دوركم، بل يمكن أن يعني رفع قيمة دوركم من مالك حافلة يعمل منفردًا إلى شريك في قطاع نقل وطني منظم.

فلننظر إلى الدمج من زاوية أخرى

بدل أن نقول:

"ماذا سنخسر؟"

فلنسأل:

"ماذا يمكن أن نبني معًا؟"

شبكة نقل أكثر أمانًا.

حافلات أكثر راحة.

سائقون أكثر مهنية.

دخل أكثر استقرارًا.

استثمارات أكبر.

خدمات أكثر موثوقية.

مدن أقل ازدحامًا.

أسر تنفق أقل على التنقل.

بيئة أنظف.

وفرص عمل جديدة.

واقتصاد أكثر إنتاجية.

هذه ليست معركة بين الحكومة ومالكي الحافلات.

إنها عملية انتقال من النقل الفردي المتفرق إلى النقل الجماعي المنظم، وأنتم يجب أن تكونوا في مقدمة المستفيدين منها، لا في آخر القائمة.

ولذلك، فإن ندائي اليوم إلى أصحاب الحافلات ليس:

اتركوا ما لديكم.

بل:

طوّروا ما لديكم، واحموا استثماراتكم، وكونوا شركاء في صناعة مستقبل النقل في الأردن.

فالحافلة التي تحمل اليوم عشرات المواطنين يمكن أن تكون غدًا جزءًا من منظومة نقل ذكية تخدم مئات الآلاف يوميًا، ومالكها يمكن أن يكون جزءًا من شركة وطنية ناجحة بدل أن يبقى أسيرًا لمشكلات التشغيل الفردي.

والأردن لا يحتاج إلى إلغاء قطاع قائم، بل يحتاج إلى إعادة تنظيمه وتطويره وتحويله إلى قطاع منتج وآمن ومربح ومستدام.

ومن القلب إلى القلب:

يا أصحاب الحافلات... أنتم جزء من الحل، فلنضع أيدينا بأيدي بعض، ولنجعل من عملية الدمج بداية مرحلة جديدة تحفظ رزقكم، وترفع قيمة استثماراتكم، وتحمي المواطن، وتخدم اقتصادنا وبيئتنا ومدننا وقرانا.

مدار الساعة ـ