أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أزمة البطالة في الأردن: صرخة كفاءات ضائعة


الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي

أزمة البطالة في الأردن: صرخة كفاءات ضائعة

الدكتور  جاسر عبدالرزاق النسور
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي
مدار الساعة ـ

مع إشراقة كل صباح يتسلح آلاف الشباب الأردنيين بشهاداتهم الجامعية متسلحين بالأمل، ليصطدموا بواقع اقتصادي مرير أشبه بالسراب. يقفون في طوابير الانتظار الطويلة بديوان الخدمة المدنية، ويرسلون سيرهم الذاتية إلى مختلف القطاعات، بحثاً عن فرصة تليق بسنوات الكد والتعب. غير أنهم يكتشفون سريعاً أن قواعد اللعبة في سوق العمل لا تحتكم إلى معيار الشهادة أو الكفاءة، بقدر ما تتقاطع مع شبكات المحسوبية والخبرات المسبقة. هكذا يتحول فرح التخرج إلى كابوس يومي من البطالة والفراغ المعنوي.

ولا تقتصر هذه المشكلة على لغة الأرقام الصماء في التقارير الرسمية، بل تمثل جرحاً عميقاً في بنية المجتمع الأردني. فحين يُحرم الطبيب، والمهندس، والمعلم من أبسط حقوقهم في العمل، يتجاوز الأثر الخسارة المادية ليطال انهيار الثقة بالنفس، وتبخر الأمل في الغد. هذا الواقع يضع الشباب أمام خيارات قاسية؛ إما قبول وظائف هامشية لا تتناسب مع مؤهلاتهم بغرض البقاء، أو انتظار مجهول قد لا يأتي.

تتوزع مسؤولية هذا الخلل الهيكلي على منظومة متكاملة لا يمكن إعفاء أي طرف منها، تبدأ بالجامعات والتعليم العالي عبر استمرار ضخ أعداد هائلة من الخريجين في تخصصات نظرية راكدة يشبعها السوق ولم يعد يحتاجها، وتمر بالسياسات الحكومية وتغير المسميات التي تعجز عن تحويل العناوين البراقة إلى فرص عمل حقيقية ومستدامة، وصولاً إلى سوق العمل والمجتمع الذي يفضل الخبرة الظاهرية والواسطة على الكفاءة الاستحقاقية، إلى جانب ثقافة العيب المجتمعية التي تحصر النجاح في الوظيفة الحكومية.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول ما إذا كانت التعديلات الشكلية أو تبديل المسميات الوزارية تكفي دون إحداث ثورة حقيقية في بنية التعليم وربطه بمتطلبات العصر الرقمي والتقني. إن الفجوة الكبرى تكمن في كون التعليم تحول إلى مصنع للشهادات النظرية بدلاً من حاضنة للمهارات العملية والقدرة على الابتكار.

إن استمرار هذا الانسداد التنموي يدفع بأفضل الكفاءات نحو خيار الهجرة المريرة، حيث يغادر الأطباء والمبرمجون بحثاً عن بيئة تقدر طاقاتهم، ليخسر الوطن رصيده البشري الأغلى. ولن يُجدي مع هذه المعضلة الخطابات الموسمية، بل تقتضي الحلول إجراءات جذرية تتلخص في إصلاح التعليم الجامعي بتحديث المناهج وتوجيه التخصصات بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل الحديث، وتمكين الريادة عبر توفير دعم حقيقي ومحفزات مالية للمشاريع الناشئة، وإرساء قواعد شفافة وصارمة للتوظيف تعتمد الكفاءة وحدها، فضلاً عن تغيير العقليات بإعادة الاعتبار للعمل المهني والتقني وتعزيز ثقافة العمل الحر والتعلم المستمر.

إن بطالة الشباب في الأردن ليست قدراً محتوماً، بل هي ثمرة سياسات قابلة للتغيير متى ما توفرت الإرادة الصادقة. فالشباب ليسوا عبئاً على كاهل الدولة، بل هم طاقتها الكامنة وثروتها الحقيقية التي لا تقدر بثمن. وبناء الأوطان لا يتم بالشعارات المرفوعة، بل بتمكين أبنائها من نيل حقوقهم كاملة ليجدوا مكانهم المشرق تحت الشمس.

سيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخاً بقيادته وشعبه

حمى الله الاردن وقيادته وشعبه

مدار الساعة ـ