مدار الساعة - محمد الطراونة - قبل نحو عشر سنوات، دفعت تجربة عائلية النائب الأردنية ديمة طهبوب إلى اتخاذ قرار بالتبرع بأعضائها بعد الوفاة، بعدما احتاج أحد أقاربها إلى زراعة قرنية، وتصادف حينها وفاة شاب في حادث، قررت عائلته التبرع بقرنيته، لتصل إلى قريبها وتُحدث، بحسب وصفها، تغييرا كبيرا في حياته.
تقول طهبوب للجزيرة نت إن تلك التجربة تركت أثرا عميقا لديها، موضحة أنها بدأت بعدها قراءة فتاوى العلماء والمجامع الفقهية في الأردن وخارجه بشأن التبرع بالأعضاء، قبل أن تطمئن إلى الأمر وتكتب وصيتها بالتبرع عام 2016، وتسجل رغبتها لدى الجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء وبنك العيون.وبعد نحو عقد، عادت طهبوب لتؤكد القرار ذاته، لكن هذه المرة رقميا عبر تطبيق "سند"، عقب إتاحة خدمة تسجيل الرغبة بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة، معتبرة أن وجود الفتوى الشرعية ضمن التطبيق يشكل عاملا مهما في طمأنة الراغبين بالتبرع وتشجيعهم عليه.وقرر مجلس الوزراء الأردني إضافة خدمة التبرع بالأعضاء إلى تطبيق "سند"، بهدف التشجيع على التوسع في التبرع وتسهيله، إذ يستطيع المواطن الوصول إلى الخدمة والاطلاع على المعلومات المتعلقة بها، ثم تأكيد رغبته إلكترونيا.
مشروع وطني خلال أسابيعويكشف وزير الصحة الأردني إبراهيم البدور للجزيرة نت أن إدراج خدمة التبرع عبر "سند" يمثل الخطوة الأولى ضمن مشروع وطني متكامل لزراعة الأعضاء، تعمل عليه لجنة وطنية تضم ممثلين عن مختلف القطاعات الطبية، وقطعت مراحل متقدمة في إعداد بروتوكول موحد لتنظيم عمليات التبرع والزراعة وربط الجهات المعنية.ويوضح البدور أن الوزارة كانت تمتلك بالفعل منصة للتبرع بالأعضاء، إلا أن استخدامها لم يكن منتشرا بالشكل المطلوب، ما دفع إلى نقل الخدمة إلى "سند"، باعتباره البوابة الإلكترونية الأوسع وصولا إلى المواطنين.
وبحسب الوزير، تعمل اللجنة على وضع اللمسات النهائية على بروتوكول وطني ينظم آليات التعامل مع المتبرعين والمرضى المحتاجين إلى الزراعة، ويعزز التنسيق بين القطاعات الصحية المختلفة، تمهيدا لإطلاق المشروع خلال الأسابيع المقبلة.وتتضمن الخطة ربط المستشفيات الحكومية والخاصة إلكترونيا ببيانات التبرع، بحيث يمكن عند تسجيل حالة وفاة دماغية معرفة ما إذا كان الشخص قد سجل رغبته في التبرع، وإبلاغ ذويه بذلك، بالتزامن مع الوصول إلى المرضى المحتاجين إلى العضو.ويشير إلى أن نحو 4900 شخص يخضعون لغسيل الكلى في الأردن، وأن التوسع في زراعة الكلى يمكن أن يقلص أعداد المحتاجين إلى الغسيل ويخفف الأعباء الطبية والاقتصادية، مؤكدا أن المشروع لا يقتصر على تسجيل الرغبات، وإنما يتضمن التوعية والربط الإلكتروني وتوفير الكوادر المؤهلة، إلى جانب تدريب كوادر متخصصة وإيفادها إلى الخارج لاكتساب الخبرات في زراعة الكلى والكبد والرئتين.أكثر من 30 ألف مسجلويبدو أن الخدمة الجديدة بدأت تستقطب اهتماما مبكرا. فبحسب مصدر رسمي في وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة تحدث للجزيرة نت، تجاوز عدد الذين سجلوا رغبتهم بالتبرع عبر "سند" 30 ألف شخص منذ إطلاق الخدمة، مع استمرار ارتفاع الإقبال عليها.ويمكن للمواطن تسجيل رغبته بعد الاطلاع على المعلومات والفتوى الشرعية المتعلقة بالتبرع، ثم تأكيد قراره، لتظهر الرغبة في دفتر العائلة المرتبط به, بما يتيح لأفراد الأسرة معرفتها مسبقا، كما يستطيع المسجل التراجع عن قراره أو تغييره من خلال الخدمات التابعة لوزارة الصحة.
فجوة بين الحاجة والتبرعوفي مقابل هذا الإقبال، تكشف الأرقام حجم الفجوة التي تسعى المنظومة الجديدة إلى التعامل معها.فاستشاري أمراض وزراعة الأعضاء وضغط الدم في الجامعة الهاشمية، الدكتور محمد حسان الذنيبات، يقول للجزيرة نت إن دراسة جدوى غير منشورة أعدها أطباء في جمعية الأطباء الأردنيين بأمريكا "JAPA" تقدر عدد المرضى المحتاجين إلى زراعة أعضاء صلبة في الأردن بنحو 3376 مريضا، بينهم 2728 يحتاجون إلى زراعة كلى، و528 إلى كبد، و90 إلى قلب، و30 إلى رئة.وتقدم أمينة سر الجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء، الدكتورة رانيا جبر، أرقاما أخرى تعكس اتساع الحاجة، إذ تقول للجزيرة نت إن أكثر من ألف شخص بحاجة إلى زراعة القرنية، بينما يقدر عدد الخاضعين لغسيل الكلى بنحو 6 آلاف شخص أو أكثر، وترى أن نحو نصفهم يمكن أن تتحسن حالاتهم بصورة كبيرة إذا أتيحت لهم فرصة زراعة الكلى، فضلا عن مئات المرضى المحتاجين إلى زراعة الكبد.الأردن بدأ مبكرا.. فأين المشكلة؟المفارقة أن الأردن يمتلك تاريخا طويلا في زراعة الأعضاء. ويقول الذنيبات إن أول زراعة كلى في المملكة أجريت عام 1972، وأول زراعة قلب عام 1985، وأول زراعة كبد عام 2004، فيما يعود الإطار القانوني للتبرع وزراعة الأعضاء إلى عام 1977.كما يصل عدد عمليات زراعة الكلى من متبرعين أحياء في بعض السنوات إلى نحو 300 حالة، وهو رقم يعتبره الذنيبات مؤشرا على وجود خبرات وكفاءات طبية قادرة على إجراء عمليات الزراعة.
لكن التحدي يظهر بوضوح في التبرع بالأعضاء الصلبة بعد الوفاة، إذ يقول إن معدل المتبرعين المتوفين لا يزال أقل من متبرع واحد لكل 10 ملايين.ويرفض الذنيبات اختزال المشكلة في ضعف ثقافة التبرع، مستشهدا بأن بنك العيون الأردني يستقبل في المتوسط نحو 210 قرنيات سنويا من متبرعين محليين، أي ما يعادل قرابة 100 متبرع متوفى سنويا إذا احتسبت قرنيتان لكل متبرع.الدين والقانون وعدالة توزيع الأعضاءوتقول الدكتورة رانيا جبر إن أبرز التساؤلات التي تواجه الراغبين في التبرع تتعلق بالجوانب الدينية والقانونية وعدالة توزيع الأعضاء، مشيرة إلى أن الفتوى الشرعية متاحة داخل "سند"، وأن القانون الأردني يجيز التبرع.وتوضح أن التشريعات الأردنية في هذا مجال ليست جديدة، إذ صدر قانون الانتفاع بعيون الموتى عام 1956، ثم قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان عام 1977، وأدخلت عليه تعديلات لاحقة حتى عام 2000، مع وجود توجه لإجراء تعديلات تنظم عملية التبرع وتشجعها وتضمن انضباطها قانونيا وتشريعيا.أما عدالة توزيع الأعضاء، فتوضح جبر أن الحصول على العضو لا يتم بمجرد تسجيل اسم المريض، وإنما تحكمه إجراءات طبية وقانونية تراعي تطابق الأنسجة والحالة والعمر والمعاناة وفرص نجاح الزراعة، بما يحدد أولوية المستفيد.84 مليون ديناروإلى جانب الكلفة الإنسانية، يحمل الملف بعدا اقتصاديا. فبحسب الذنيبات، قدرت دراسة "JAPA" تكلفة علاج مرضى الغسيل الكلوي على مدى عشر سنوات بنحو 1.26 مليار دينار، مقابل 1.18 مليار دينار في سيناريو زراعة الكلى.وخلف هذه الحسابات حياة يومية شاقة لآلاف المرضى. فجبر توضح أن مريض الفشل الكلوي يحتاج إلى جلسة غسيل تستغرق نحو 4 ساعات، 3 أيام أسبوعيا، فضلا عن الوقت الذي يستغرقه الوصول إلى جلسة الغسيل والعودة منها، وهو ما ينعكس على العمل والدراسة والحياة اليومية.











