لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة خطابا عاديا، بل كان خطاب دولة تعرف حجم التحديات من حولها، وتدرك جيدا ما هي مصالحها الوطنية، ومتى يجب أن ترتفع نبرة الموقف دفاعا عن أمن الوطن وسيادته.
تحدث جلالته بهدوء القائد، ووضوح الدولة، وثبات الأردن الذي لم يتعود أن يخفض رأسه أمام الضغوط، ولم يجعل من صعوبة الظروف سببا للتراجع عن ثوابته.الأردن يواجه ملفات ثقيلة، وضغوطا كبيرة، وتحديات تتجاوز حدوده وتمس أمن المنطقة واستقرارها، ومع ذلك بقي موقفه واضحا لا لبس فيه: أمن الأردن وحدوده ومياهه وشعبه وسيادته ليست مجالا للمساومة.وهنا تكمن قوة الرسالة الملكية الأهم.فالحديث عن الحدود الشمالية والأمن المائي لم يكن تفصيلا عابرا في خطاب دولي، بل كان رسالة سيادية واضحة إلى العالم أجمع: الأردن يعرف حدوده، ويعرف مصالحه، ويعرف أين تبدأ خطوطه الحمراء. وما يمس أمنه المائي أو حدوده ليس شأنا ثانويا يمكن تجاوزه أو التعامل معه بالصمت.لقد ربط جلالة الملك بوضوح بين ما يجري في جنوب سوريا وبين الأمن القومي الأردني، محذرا من التوغلات والتوسع الجغرافي وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك ما يمس مصادر مائية حيوية. ثم وضع الموقف الأردني في جملة لا تحتاج إلى تأويل: أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي، والأردن لن يقف متفرجا، بل سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.وهذه ليست لغة تصعيد، بل لغة دولة تعرف مسؤولياتها.الأردن دولة تدعو دائما إلى السلام والحوار، وتؤمن بالدبلوماسية طريقا لحل الأزمات، لكن السلام بالنسبة لنا لا يعني الضعف، والدبلوماسية لا تعني التنازل، والحوار لا يعني أن يتخلى الأردن عن حقه في حماية أمنه وسيادته ومصالح شعبه.وفي الوقت ذاته، وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام حقيقة ما يجري في غزة والضفة الغربية، محذرا من استمرار الصراع ومن السياسات التي تزيد التوتر في المنطقة، ومؤكدا أن معالجة الأزمات لا تكون باحتوائها إلى ما لا نهاية، وإنما بالوصول إلى حلول عادلة ودائمة.قال جلالة الملك ما يجب أن يقال، في المكان الذي يجب أن يقال فيه، وبالهدوء الذي يليق بقائد دولة.هذا هو الأردن الذي نعرفه؛ دولة قد تكون محاطة بالتحديات، وقد تتحمل ضغوطا تفوق حجمها الجغرافي، لكنها لا تتنازل عن كرامتها، ولا تساوم على أمنها، ولا تسمح بأن تتحول حدودها أو مياهها أو مصالح شعبها إلى أوراق في حسابات الآخرين.وهذا هو الملك الذي يحمل موقف الأردن بثبات، ويقول للعالم بوضوح: لهذا الوطن حدود لا تُمس، وأمن لا يُساوَم عليه، ومياه لا يُفرّط بها، وشعب لا يقبل أن يكون أمنه ثمنا لأي حسابات سياسية.الأردن لا يبحث عن المشاكل، ولا يريد الصدام، لكنه في الوقت ذاته ليس دولة تقبل أن تكون هدفا للتهديد أو ساحة لتصفية الحسابات.سلامنا قوة، ودبلوماسيتنا قوة، وثباتنا قوة، ووحدة موقفنا قوة، وموقف جلالة الملك هو عنوان هذه القوة.حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وحفظ جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، وأدام وطننا عزيزا شامخا، آمنا مستقرا، لا ينحني إلا لله عز وجل.حين يتكلم الأردن.. يصمت التهديد
مدار الساعة ـ