أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من جلد الفيل إلى أسطح المباني: كيف يحول أسمنت جديد الشقوق إلى تكييف طبيعي يخفض الحرارة 20 درجة؟

مدار الساعة,أخبار خفيفة ومنوعة,درجات الحرارة
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -في ابتكار مستوحى من واحدة من أكثر الحيل الطبيعية كفاءة في التعامل مع الحرارة، طوّر باحثون من جامعة بنسلفانيا الأمريكية مادة أسمنتية مسامية تستلهم آلية احتفاظ جلد الفيل بالمياه، لتوفير وسيلة تبريد سلبية للمباني من دون الحاجة إلى ضواغط أو غازات تبريد أو أنظمة تكييف تقليدية.

وأظهرت التجارب أن المادة الجديدة قادرة على امتصاص المياه خلال أقل من 50 مللي ثانية، ثم الاحتفاظ بها وتوزيعها عبر شبكة من الشقوق الدقيقة، ما يطيل عملية التبخر ويساعد على سحب الحرارة من السطح.

من جلد الفيل إلى أسطح المباني

جاءت الفكرة من ملاحظة طبيعية بسيطة، جلد الفيل ليس "أملس"، بل تغطيه شبكة من التجاعيد والشقوق التي تساعد الحيوان على الاحتفاظ بالمياه بعد رش جسمه بها.

وعندما تتبخر المياه تدريجيا، تسحب معها الحرارة من سطح الجلد، ما يساعد الفيل على مواجهة درجات الحرارة المرتفعة.

حاول الباحثون محاكاة هذه الآلية في مادة بناء، لكنهم اتخذوا خطوة غير مألوفة، فبدلا من اعتبار التشققات عيبا يجب منعه، قاموا بتصميمها والتحكم في أماكن تشكلها واتجاهاتها لتصبح قنوات تساعد على نقل المياه عبر السطح.

وتشير الدراسة إلى أن هندسة جلد الفيل يمكن أن تحتفظ بكمية من المياه تصل إلى نحو عشرة أضعاف ما يحتفظ به سطح أملس مماثل.

الأسمنت يتحول إلى "إسفنجة" للمياه

تعتمد المادة الجديدة على خليط من الأسمنت البورتلاندي العادي والتراب الدياتومي، وأعد الباحثون في تجاربهم خليطا بنسبة كتلية 1:1 من التراب الدياتومي والأسمنت، ثم شكلوه في طبقات رقيقة وتركوه يخضع لمرحلة ترطيب أولية قبل تجفيفه تحت ظروف محددة.

وأظهرت القياسات أن كثافة المادة الجافة بلغت نحو 740 كيلوغراما لكل متر مكعب، مقارنة بنحو 1300 كيلوغرام لكل متر مكعب لعجينة الأسمنت النقية المحضرة بالطريقة نفسها، كما كشفت القياسات عن وجود مسام يصل حجم بعضها إلى نحو 2 نانومتر.

وتساعد هذه البنية المسامية على سحب المياه بسرعة إلى داخل المادة بفعل الخاصية الشعرية، بينما تعمل الشقوق الأكبر كقنوات لتوزيع المياه على مساحة أوسع.

الشقوق.. عيب يتحول إلى ميزة

تمكن الباحثون من التحكم في نمط التشققات من خلال استخدام ركائز تحتوي على نتوءات هندسية تعمل على تركيز الإجهاد أثناء جفاف المادة.

وبهذه الطريقة، بدلا من ظهور شقوق عشوائية، أمكن تشكيل شبكات محددة، من بينها أنماط شعاعية ومتوازية ومتحدة المركز، إضافة إلى شبكات هندسية مثلثية ومربعة وسداسية.

وأظهرت التجارب أن الشبكة السداسية ذات الكثافة المتوسطة من الشقوق حققت أفضل توازن بين توزيع المياه والاحتفاظ بها، إذ إن عددا قليلا من الشقوق لا يوزع المياه بكفاءة، بينما قد يؤدي العدد الكبير منها إلى تصريف المياه سريعا.

فارق حراري يصل إلى 20 درجة مئوية

كان الاختبار الأكثر إثارة في نموذج مصغر لسقف، حيث قارن الباحثون بين البلاطات الأسمنتية الجديدة وجص تجاري متشقق وآخر غير متشقق، مع استخدام الكميات نفسها من المياه وتعريض النماذج للتسخين بالأشعة تحت الحمراء.

وخلال دورات متكررة من الترطيب والتجفيف، حافظت درجة الحرارة أسفل البلاطات المصنوعة من الأسمنت والتراب الدياتومي على مستوى يقارب 32 درجة مئوية.

في المقابل، ارتفعت درجة الحرارة إلى نحو 42 درجة مئوية أسفل الجص التجاري المتشقق، وإلى نحو 52 درجة مئوية أسفل الجص التجاري غير المتشقق.

وبذلك سجل النموذج التجريبي فارقا حراريا بلغ نحو 20 درجة مئوية مقارنة بالجص التجاري غير المتشقق.

لكن الباحثين لا يقولون إن هذه المادة ستخفض تلقائيا درجة حرارة المبنى من الداخل بمقدار 20 درجة، فالاختبارات أجريت على نموذج مختبري وتحت ظروف محددة، بينما سيعتمد الأداء في المباني الحقيقية على المناخ والرطوبة والرياح والعزل وكمية المياه المستخدمة.

تبريد من دون ضاغط أو غاز تبريد

تكمن أهمية الابتكار في اعتماده على التبريد التبخيري السلبي. فعندما تصل المياه إلى السطح، تمتصها المادة بسرعة، ثم تنتشر عبر شبكة الشقوق والمسامات، ومع تبخرها، تستهلك عملية التحول من الماء السائل إلى البخار طاقة حرارية، فتسحب الحرارة من المادة وتخفض درجة حرارتها.

وبحسب جامعة بنسلفانيا، لا تحتاج التقنية في صورتها التجريبية إلى مراوح أو ضواغط أو أجزاء ميكانيكية متحركة معقدة لتحقيق عملية التبريد.

خطوة نحو مبانٍ تتكيف مع الحرارة

يرى الباحثون أن التقنية قد تمثل مسارا لتطوير مواد بناء أكثر قدرة على التعامل مع الحرارة، خصوصا مع ارتفاع الطلب على التبريد في المدن الحارة.

وتشير جامعة بنسلفانيا إلى إمكانية تطوير أنظمة مستقبلية تتحكم في دورات ترطيب الأسطح اعتمادا على بيانات الطقس الفعلية والتنبؤات الجوية، بحيث تحصل المادة على الكمية اللازمة من المياه فقط عندما تكون ظروف التبريد مناسبة.

ويعمل الفريق أيضا على توسيع نطاق تصنيع البلاطات، إذ جرى بالفعل اختبار تطبيق المادة على شاشات أكبر باستخدام معدات رش، في خطوة تهدف إلى الاقتراب من أساليب التصنيع المستخدمة في البناء.

الطريق إلى الاستخدام التجاري لا يزال مفتوحا

ورغم النتائج اللافتة، فإن المادة لا تزال في مرحلة البحث والتطوير، ولا تعني نتائج المختبر وحدها جاهزية استخدامها على نطاق واسع في المباني.

ويحتاج الباحثون إلى اختبار قدرتها على تحمل التعرض طويل الأمد للشمس والأمطار والغبار ودورات الجفاف والرطوبة، إلى جانب دراسة استهلاك المياه والصيانة والأداء في ظروف مناخية مختلفة.


مدار الساعة ـ