أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بعيدًا عن المهرجانات والانشطة الموسمية.. وزارة الثقافة تمنح مساحة من الفرح والأمل في معهد الفنون

مدار الساعة,أخبار ثقافية,وزارة الثقافة
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب الدكتور محمد واصف - ثمة إنجازات لا تصنع ضجيجًا كبيرًا، لكنها تصنع مستقبلًا. وثمة مشاريع لا تلمع تحت أضواء المهرجانات، لكنها تضيء في عيون طفل يمسك آلة موسيقية للمرة الأولى، أو فتى يكتشف أن في داخله موهبة تستحق أن تُرى وتُسمع.

من هذه المساحات الجميلة التي تقدمها وزارة الثقافة منذ سنوات، معهد الفنون الجميلة في الجاردنز، الذي يديره الموسيقي صاحب الخبرة الفنان حسين دغيمات.

من يسمع عن المعهد ليس كمن تسنح له الفرصة للدخول إلى أعماقه واكتشاف أسراره. فما إن تدخل حتى تشعر أنك أمام إيقاع آخر للحياة، ضجيج نعم، لكنه ضجيجٌ منظّم يصنع الجمال.

صوت كمان يأتيك من هنا، وجيتار من هناك، ومن غرف البيانو تتسلل نغمات تتعلم أصابع صغيرة كيف تمنحها النظام والإحساس، مع ضرغام بشناق، الأب الجميل، والراقية عبير الخطيب وغيرهما من الزملاء. ومن منور العمارة تصعد الإيقاعات من الطوابق السفلية، فيما يحضر العود بوقاره الشرقي، وكأن المبنى كله يتحول إلى آلة موسيقية كبيرة.

ثم تمر بمشهد يصيبك بالدهشة: أطفال وفتية، في أعمار صغيرة، يدربهم الفنان مصطفى شعشاعة في أوركسترا صغيرة! يحملون آلاتهم ويحاولون تقديم الموسيقى العالمية، فيتعرفون مع قائدهم إلى تفاصيلها وقواعدها وروحها. وأنت هنا لا تشاهد مجرد تدريب موسيقي، أنت تشاهد بذور موسيقيين قد يحملون اسم الأردن يومًا إلى مسارح العالم.

تصعد طابقًا آخر، فتتغير اللغة ولا يتغير الجمال. موشح وموسيقى عربية، وصوت خبرة وعتاقة وأصالة مع المخضرم نبيل الشرقاوي. ثم تمضي لتجد فرقة المعهد تتحضر بأغانينا وموروثنا الموسيقي الرشيق، يقودها حسين دغيمات، وكأن المكان يقول لك ببساطة: هنا نتعلم موسيقى العالم، لكننا لا ننسى صوتنا وهويتنا.

أطفال وفتية بأعداد كبيرة، أهالٍ ينتظرون في السيارات، وعلى الأدراج وأمام أبواب القاعات، ومواقف السيارات تضيق بالقادمين. صورة قد تبدو عادية، لكنها بالنسبة لي واحدة من أجمل الصور الثقافية: أهل ينتظرون أبناءهم وهم يتعلمون الفن بدل أن ينتظر الفن أبناءهم مصادفةً في المستقبل.

وهناك أسماء كثيرة تعمل وتعلّم وتمنح من خبرتها، أتذكر منهم معتصم مطالقة، ودسوقي شلتوني، وجريس وغيرهم وغيرهم، وأعتذر ممن سهوت عن ذكر اسمه. وخلف هذا الحراك طاقم إداري يعمل على التنسيق والمتابعة وتذليل الصعوبات، منهم الفنان محمد خابور، والدافئ خالد غنيم، والفنانة رانيا الخلايلة وغيرهم ممن يعملون بصمت حتى يبقى هذا المكان نابضًا.

والأجمل أن الحكاية ليست موسيقى فقط، هناك المسرح ودوراته، والرسم والخزف والنحت وغيرها من الفنون. والأهم أن كل ذلك يُقدَّم دون مقابل ودون رسوم، في زمن قد تحول فيه الكلفة المادية بين كثير من الأسر وبين منح أبنائها فرصة اكتشاف مواهبهم في المعاهد الخاصة.

لهذا علينا أن نعظّم الإنجاز عندما نراه، وأن نعزز الجميل بدل أن نكتفي بالبحث عن النقص.

هذا المعهد، وفروعه في إربد الحبيبة وفي الجنوب، يستحق الدعم والتوسع، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي نجد فيه فرعًا له في كل محافظة من محافظات الأردن. لأن الموهبة لا تسكن العاصمة وحدها، ولأن طفلًا في أقصى الشمال أو الجنوب يستحق الفرصة نفسها.

وحين غابت حصة الموسيقى والفنون عن مساحات واسعة من حياتنا المدرسية، حضرت وزارة الثقافة هنا لتمنحنا شيئًا من الأمل، وتفتح نافذة لاكتشاف المواهب وتأهيلها ورفد الساحة الفنية الأردنية بأجيال جديدة.

شكرًا وزارة الثقافة، ليس فقط على مهرجان أو حفل أو موسم ثقافي عابر، لأن هذا الفعل واجب جميل ومنوط بك، بل شكراً وشكراً على هذه المساحة التي تبني الإنسان بهدوء.

شكرًا لزملائي الفنانين الذين يضعون خبراتهم بين أيدي هؤلاء الصغار.

وشكرًا للأهل الذين ينتظرون طويلًا أمام الأبواب وفي السيارات لأنهم آمنوا بأن الفن جزء من تربية أبنائهم، لا ترفًا زائدًا عنها.

فحين نمنح أبناءنا الفن، نحن لا نعلّمهم عزف نغمة أو رسم لوحة أو الوقوف على خشبة مسرح فقط؛ نحن نعلّمهم الانضباط، والذائقة، والتوازن، والصدق، والعمل الجماعي، والانتماء.

وما أجمل أن تخرج من المكان وأنت تسمع خلفك ذلك الضجيج المنظّم…

ضجيج أطفالنا وهم يصنعون مستقبلًا أجمل.

فشكرًا لوزارة الثقافة على هذه المساحة من الفرح والأمل.


مدار الساعة ـ