أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عُقَد الماضي وضغوط الحاضر.. كيف تتغلبين على الخجل والخوف وتستأنفين رحلتك مع القرآن الكريم؟

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -أنا فتاة في التاسعة عشرة من عمري، في سنتي الأولى بالجامعة، وأرغب بشدة في حفظ القرآن الكريم، لكنني أواجه صعوبات نفسية، عندما كنت طفلة، صرخ في وجهي أحد الشيوخ أثناء الحفظ، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أخاف وأخجل من المساجد، حتى إنني لا أرتاح لصلاة التراويح فيها، كما إنني أعاني من خجل شديد، يجعلني أتوتر وأحمرّ أمام الناس، لذلك لا أستطيع الانضمام إلى حلقات التحفيظ أو الدورات أونلاين.

أفكر أن أبدأ الحفظ بمفردي، أو بمساعدة والدتي التي تحفظ القرآن، لكن حتى أمامها أشعر بالخجل، مشكلتي أيضًا أن وقتي محدود، فأنا أدرس تخصص البيولوجيا، وأغادر المنزل السادسة صباحًا، وأعود مساءً مرهقة، وهذا التخصص صعب في بلدي، ويجب دراسته بثلاث لغات، لذا يتطلب مني وقتا إضافيا للدراسة، وأيضا لدي هدفي بعد تخرجي أن أتخصص في الأمراض العصبية، وأنفع به الأمة، ومع ذلك أريد أن أجعل القرآن أولويتي، أخاف أن أحفظ ولا أعمل به، خاصة أنني أضعف أحيانًا أمام سماع الأغاني وأشعر بالذنب.

أرجو منكم نصحي، كيف أبدأ الحفظ وحدي رغم خجلي وضغوط دراستي؟ وكيف أثبت دون أن أشعر بالتناقض أو التقصير؟

ملخص الجواب

إن ما تعانين منه لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضعف في محبتك للقرآن أو نقص في الإرادة، فليس المطلوب أن تجبري نفسك على دخول حلقات التحفيظ دفعة واحدة، ولا أن تنتظري حتى يختفي الخوف تمامًا، وإنما أن تفهمي ما يحدث لك، وتفصلي بين الماضي والحاضر، وتراجعي الأفكار التي تغذي الخوف، وتبني بالتدرج خبرات جديدة وآمنة مع القرآن.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الأخت الكريمة، حفظكِ الله ورعاكِ.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، وأن يرزقك حفظ كتابه والعمل به، وأن يبارك لك في علمك وعمرك.

وقد قرأنا رسالتك بتأنٍ، وأكثر ما لفت انتباهنا فيها ليس حديثك عن الخوف أو الخجل، وإنما اجتماع ثلاثة أمور مباركة في قلبك: محبتك الصادقة لكتاب الله، وطموحك العلمي في دراسة الأمراض العصبية لخدمة الناس، وخوفك من أن تقصري في حق الله، وهذه المعاني تبعث على التفاؤل، لأنها تدل على قلب حي يريد أن يسير إلى الله، لكنه تعثر بعقبة نفسية، لا بضعف في الإيمان، ولا بفتور في الإرادة.

ومن هنا، فمن المهم أن تطمئني إلى أن المشكلة فيما يظهر من رسالتك لا تبدو مرتبطة بقلة الرغبة في حفظ القرآن، وإنما يغلب على الظن أنها ترجع إلى أثر تجربة انفعالية مؤلمة مررتِ بها في طفولتك، عندما صرخ في وجهك أحد الشيوخ أثناء الحفظ.

فالطفلة في تلك المرحلة لم تكن تملك القدرة على تفسير ما حدث، ولذلك قد يكون عقلها قد ربط دون وعي بين التلاوة أمام الآخرين وبين الخوف والإهانة، وبقي هذا الارتباط محفوظًا في الذاكرة الانفعالية؛ ولهذا كلما اقتربتِ اليوم من موقف يشبه ذلك الموقف، كحلقة تحفيظ أو تسميع أمام شخص آخر، يستجيب جسدك بالخوف والتوتر واحمرار الوجه، مع أن الموقف الحالي مختلف تمامًا عن الماضي.

وهذا لا يعني أن فيك ضعفًا أو خللًا، وإنما يعني أن جهازك النفسي ما زال يتعامل مع موقف انتهى منذ سنوات، وكأنه ما زال قائمًا، فيحاول حمايتك بالطريقة التي تعلمها في طفولتك، إلا أن هذه الحماية أصبحت اليوم تمنعك من الوصول إلى شيء تحبينه وتتمنينه.

ومن المهم هنا تصحيح مفهوم قد يكون سببًا في استمرار المعاناة؛ فأنت لا تخافين القرآن، ولا تخافين المسجد، وإنما يخاف جهازك النفسي من الإهانة التي ارتبطت في الماضي بالقرآن والمسجد.

والفرق بين الأمرين كبير؛ فالذي آذاك لم يكن كتاب الله، ولم يكن بيت الله، وإنما أسلوب إنسان لم يحسن التربية، فلا ينبغي أن يبقى أثر موقف واحد حائلًا بينك وبين كتاب الله سنوات طويلة.

كما نود أن نصحح مفهومًا آخر ذكرتيه في رسالتك، وهو خوفك من أن تحفظي القرآن ثم لا تعملي به؛ وهذا الحرص محمود في أصله، لكنه قد يتحول إلى باب يدخل منه الشيطان ليصرف الإنسان عن القرآن، فيوهمه أنه ينبغي أن يصبح كاملًا أولًا، ثم يبدأ بالحفظ، والحقيقة أن الأمر على العكس؛ فالإنسان لا ينتظر حتى يصلح تمامًا ثم يقبل على القرآن، وإنما يقبل على القرآن ليعينه الله به على إصلاح نفسه، فالهداية ثمرة من ثمار ملازمة كتاب الله، وليست شرطًا سابقًا لها.

وقد قال الله تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا، فالإنسان لا يصلح نفسه بقوته وحدها، وإنما يستعين بالله ويسير إليه، وكلما زلَّ عاد، وكلما ضعف استعان، وليس المطلوب أن يكون الإنسان بلا خطأ، وإنما أن يجاهد نفسه ولا يصر على الخطأ، ولذلك فلا تجعلي بعض التقصير سببًا لترك القرآن، بل اجعلي القرآن مما يعينك على مجاهدة نفسك.

وكذلك لا تجعلي وقوعك أحيانًا في بعض التقصير، كسماع الأغاني، سببًا للحكم على نفسك بأنك لا تستحقين حفظ القرآن؛ فكل ابن آدم يخطئ، وخير الخطائين التوابون، والقرآن لم ينزل للمعصومين، وإنما أنزله الله هداية ورحمة لعباده، يزكيهم ويعينهم على مجاهدة أنفسهم، ويأخذ بأيديهم من الضعف إلى القوة، ومن الغفلة إلى اليقظة.

- إذا شعرت بالخوف أو التوتر عند القراءة أو التفكير في التسميع، فلا تحاولي أن تدفعي هذا الشعور بعنف، ولا تغضبي من نفسك، بل قولي بهدوء: "هذا الشعور أثر تجربة قديمة، وليس دليلًا على أنني في خطر الآن"، إن هذا الحوار الداخلي يساعد العقل على التمييز بين الماضي والحاضر، ويخفف من شدة الاستجابة الانفعالية.

وتذكري أن النبي ﷺ لم يجعل المشقة في قراءة القرآن سببًا للابتعاد عنه، وإنما أخبر عن عظيم أجر من يقرأه مع المشقة، فقال ﷺ: (والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)، وهذا معنى ينبغي أن يكون حاضرًا في نفسك: ليس المطلوب أن تكوني منذ البداية ماهرة، ولا أن تكون تلاوتك خالية من التردد والخطأ، وإنما أن تبدئي وتجتهدي؛ فحتى المشقة التي تجدينها في الطريق لا تضيع عند الله.

ثم اسألي نفسك:

ما الفكرة التي أخافتني في هذه اللحظة؟ هل هي: "إذا أخطأت فسأهان"؟ وهل هذه حقيقة، أم إنها استنتاج تكون من موقف واحد في طفولتي؟ ثم استبدليها بأفكار أكثر واقعية، مثل: "الخطأ جزء من التعلم، والله أرحم بي من كل الناس، وكثير من معلمات القرآن يعلمن طالباتهن بالرفق والرحمة"، ومع تكرار هذا الحوار، تبدأ الأفكار القديمة بفقدان قوتها شيئًا فشيئًا.

ومن التمارين المفيدة أيضًا أن تكتبي ما تتذكرينه عن تلك الحادثة، ثم اكتبي رسالة إلى تلك الطفلة الصغيرة، وكأنك أختها الكبرى، تخبرينها أن ما حدث لم يكن ذنبها، وأن القرآن بريء من تلك التجربة، وأن الله سبحانه أرحم بها من كل الناس، وقد يبدو هذا التمرين بسيطًا، لكنه يساعد على إعادة تنظيم الذكرى، بدل أن تبقى مجرد مشهد مؤلم يتكرر في الذاكرة.

ثم ابدئي ببناء علاقة جديدة مع القرآن في بيئة تشعرين فيها بالأمان، استمعي إلى الآيات، ثم اقرئيها بصوت تسمعينه أنت، ثم ارفعي صوتك قليلًا، ثم اجعلي والدتك تستمع إلى مقدار يسير، لا لتقيم أداءك، بل لتشاركك فرحة القرآن؛ فالمقصود هنا ليس تدريب الذاكرة فقط، وإنما تدريب النفس على أن ترتبط التلاوة بالأمان والطمأنينة بدل الخوف.

- وإذا تيسر لك مراجعة أخصائية نفسية متمرسة، خاصة ممن لديهن خبرة في العلاج المعرفي السلوكي، وعلاج الخبرات الانفعالية المؤلمة، فسيكون ذلك نافعًا بإذن الله؛ فبحمد الله أصبح العلاج النفسي الحديث أكثر اهتمامًا بفهم آثار الخبرات المؤلمة، سواء كانت حديثة أو تعود إلى سنوات الطفولة، ولم يعد التعامل معها قائمًا على مجرد مطالبة الإنسان بنسيان الماضي أو التكيف مع آثاره، بل توجد أساليب علاجية تساعد على إعادة معالجة الذكريات المؤلمة، وتخفيف شحنتها الانفعالية، وتصحيح الأفكار والمعتقدات التي تكونت حولها، وبناء استجابات أكثر أمانًا وتوازنًا في الحاضر؛ ولذلك فإن طلب المساعدة النفسية عند تيسرها ليس دليلًا على الضعف، وإنما قد يكون خطوة واعية نحو التحرر من أثر تجربة قديمة.

وأما ضيق وقتك بسبب الدراسة، فلا ينبغي أن يكون سببًا لتأجيل مشروع الحفظ؛ فليس المطلوب في هذه المرحلة كثرة المحفوظ، وإنما دوام الصلة بكتاب الله، ولو بحفظ ثلاثة أو أربعة أسطر في اليوم، فقد قال النبي ﷺ: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، فثلاثة أسطر ثابتة كل يوم، قد تكون أنفع لك من صفحة أو صفحتين تتحمسين لهما أيامًا ثم تنقطعين.

واجعلي دراستك أيضًا عبادة تؤجرين عليها إذا صحت النية، فأنت لا تطلبين العلم لمجرد الشهادة، بل لتنفعي به عباد الله، وهذا من أجل القربات إذا أخلصت فيه النية.

وقد قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، فليس المطلوب منك أن تحملي نفسك فوق طاقتها، ولا أن تجعلي حفظ القرآن منافسًا لدراستك، وإنما أن تنظمي ما تستطيعين، وأن تعطي كل جانب حقه بحسب قدرتك، وربما كان حفظ القليل مع المحافظة عليه هو الأنسب لمرحلتك الحالية.

وفي الختام تذكري أن النبي ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز)، فهذه الكلمات تلخص جانبًا كبيرًا من رحلتك: احرصي على ما ينفعك، واستعيني بالله في مواجهة ما يعترض طريقك، ولا تجعلي وجود الخوف سببًا للعجز والاستسلام.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وأن يبدل خوفك طمأنينة، وخجلك ثقة، وأن يفتح على قلبك بكتابه، وأن يجعلك من أهله وخاصته، وأن يبارك لك في علمك، ويوفقك لتصبحي سببًا في نفع الناس، ويجمع لك بين شرف خدمة عباده، وشرف حمل كتابه، وأن يجعل ما مررتِ به سببًا في رفعة درجتك، وزيادة رحمتك بخلقه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله تعالى أعلم.


مدار الساعة ـ