أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين تنتهي الانتخابات يبدأ الامتحان: هل تمتلك الأحزاب خطة لادارة البلاد؟


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

حين تنتهي الانتخابات يبدأ الامتحان: هل تمتلك الأحزاب خطة لادارة البلاد؟

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة ـ

في السياسة، يبدو الوصول إلى السلطة أكثر اللحظات إغراءً، لكنه في الحقيقة بداية الامتحان الفعلي. فالوصول إلى البرلمان يحتاج إلى حملة ناجحة ومرشحين وتحالفات وخطاب مقنع، أما تشكيل حكومة لإدارة الدولة فيتطلب معرفة بمؤسساتها، وتشخيصًا لمشكلاتها، وترتيبًا للأولويات، وإدارة رشيدة للموارد، واختيارًا كفؤًا للقيادات، وبرامج قابلة للتنفيذ والقياس والمحاسبة. لذلك ينبغي أن يكون السؤال الذي يرافق مسيرة التحديث السياسي الأردني: إذا وصل حزب إلى السلطة غدًا، ماذا سيفعل في اليوم التالي، وفي أول مائة يوم، وفي السنة الأولى، وخلال أربع سنوات؟ ما أولوياته وكلفة برنامجه ومصادر تمويله؟ وما المؤسسات التي سيعيد هيكلتها؟ ومن سيقود الوزارات؟ وما مؤشرات أدائه، وكيف سيقيسها، ومن سيحاسبه إذا أخفق؟

هذه الأسئلة ليست تقييمًا لحزب بعينه ولا تشكيكًا في أهمية الحياة الحزبية، بل معيار أكثر نضجًا للحكم على تطورها. فمشروع التحديث السياسي الذي أطلقه جلالة الملك عبدالله الثاني يهدف إلى بناء أحزاب وطنية برامجية قادرة على تشكيل الحكومات وتحمّل مسؤولية إدارة الدولة بكفاءات مؤهلة وبرامج واقعية. وهنا يكمن الفارق بين الحزب الانتخابي والحزب الذي يسعى إلى الحكم: الأول يسأل كيف يحصل على الأصوات، والثاني يسأل ماذا سيفعل بها؛ الأول يصوغ الشعارات، والثاني يحولها إلى سياسات وموازنات ومشروعات؛ والأول يشخّص المشكلات، بينما يقدم الثاني حلولًا قابلة للتطبيق ويتحمل مسؤولية نتائجها. فالنجاح الانتخابي يمنح الشرعية السياسية، لكنه لا يمنح الخبرة الإدارية تلقائيًا، كما أن الأغلبية البرلمانية لا تضمن كفاءة التنفيذ.

ومن هنا تقتضي المرحلة المقبلة الانتقال من تأسيس الأحزاب وتعزيز حضورها الانتخابي إلى اختبار جاهزيتها الفعلية لتشكيل الحكومات. فالدولة تهيئ الإطار القانوني والتشريعي وتفتح المجال للتعددية، لكنها لا تستطيع بناء الأحزاب نيابة عن المجتمع والاحزاب نفسها؛ إذ تتوقف جاهزيتها على مؤسساتها وقياداتها وكفاءات أعضائها وبرامجها واستعدادها المبكر لتحمل المسؤولية.

وفي جوهر الرؤية الملكية للتحديث السياسي دعوة إلى أحزاب تحول الرؤى الوطنية إلى برامج عملية، فلا تكتفي بتأييد التوجهات العامة، ولا تجعل المعارضة موقفًا قائمًا بذاته من دون بدائل. فالأردن يحتاج إلى أحزاب لا تكرر تشخيص مشكلات التعليم والبطالة والمياه والطاقة والزراعة والاستثمار والسياحة وغيرها، بل توضح كيف ستعالجها، وكيف ستقيس نتائج خططها. عندها يصبح الاختلاف الحزبي تنافسًا في الحلول والبدائل، لا في تكرار المشكلات المعروفة.

وهذا يتطلب من كل حزب يطمح إلى تشكيل الحكومة إعداد ما يمكن تسميته "خطة تشغيل مؤسسات الدولة"، تجيب عن أسئلة محددة: أين يقف الأردن اقتصاديًا ومؤسسيًا واجتماعيًا؟ وإلى أين يريد الحزب الوصول به بعد أربع سنوات؟ وما أولوياته الكبرى؟ وما السياسات والمشروعات التي تترجمها؟ وما كلفتها ومصادر تمويلها والجهات المنفذة؟ وما التشريعات والموارد البشرية والجداول الزمنية اللازمة؟ وما المخاطر والبدائل إذا تعثر التنفيذ؟ ومن المسؤول عن كل مؤشر أداء؟ وكيف سيُطلع المواطن على النتائج بشفافية؟ وليست هذه تنظيرات بعيدة عن الواقع؛ فالحكومة الأردنية لديها برنامج تنفيذي للتحديث الاقتصادي للأعوام 2026–2029، يضم نحو 392 مشروعًا باستثمارات تقارب عشرة مليارات دينار، ضمن أطر زمنية ونظام متابعة إلكتروني. وإذا كانت إدارة الدولة تتطلب هذا المستوى من التخطيط والمتابعة، فمن المنطقي أن يُسأل الحزب الطامح إلى قيادتها عن برنامجه وكيف سيطور الأداء القائم ويعالج مواطن القصور.

ويبدأ الاختبار العملي من أول مائة يوم للحكومة الحزبية. وليس المطلوب حل المشكلات المزمنة خلالها، بل إثبات معرفة الحكومة من أين تبدأ، وما الذي يمكن إنجازه سريعًا، وما الذي يحتاج إلى تشريعات أو تمويل أو إعادة هيكلة. ويشمل ذلك تحديد القرارات العاجلة والتشريعات ذات الأولوية والمشروعات المتعثرة والملفات الأكثر إلحاحًا، إلى جانب آلية واضحة لإدارة الأزمات وتوزيع المسؤوليات. والأهم أن تتحول هذه المائة يوم إلى عقد أداء معلن بين الحكومة والمواطن: ماذا وعدنا؟ وماذا أنجزنا؟ وما الذي تعثر، ولماذا؟ وكيف سنعالجه؟ فالمساءلة لا ينبغي أن تنتظر نهاية الدورة الحكومية، بل تبدأ منذ اليوم الأول، بما يعزز الثقة ويتيح للمواطن متابعة الوعود والنتائج بدلًا من الانتظار أربع سنوات لمعرفة ما تحقق.

أما اختبار السنة الأولى فيتمثل في الانتقال من النشاط الحكومي إلى الأثر الملموس. فعدد الاجتماعات لا يقيس النجاح، وافتتاح المشروعات لا يثبت وحده جدواها؛ المستشفى يُقاس بجودة الرعاية وزمن الانتظار وكفاءة الإنفاق، والخدمة الرقمية بالوقت والكلفة اللذين توفرهما، ومراكز التدريب بقدرتها على تزويد الشباب بالمهارات المطلوبة وتأهيلهم لفرص عمل حقيقية. لذلك يجب أن تستند كل سياسة إلى خط أساس وهدف محدد ومدة زمنية وتمويل معلوم وجهة مسؤولة ومؤشرات تقيس النتائج والأثر المستدام. وقد أعلنت الحكومة في عام 2026 تحقيق 92% من مستهدفاتها المرحلية، لكن التحدي يبقى في التمييز بين إنجاز الإجراءات وتحقيق النتائج؛ فالمهم ليس ما أنفقته الحكومة أو نفذته او حققته فحسب، بل ما تغيّر فعلًا في حياة المواطنين.

ثم يأتي اختبار السنوات الأربع، حيث ينبغي التمييز بين ما يمكن إنجازه خلال دورة حكومية وما يحتاج إلى رؤية وطنية ممتدة. فالدفاع والسياسة الخارجية والتعليم والمياه والطاقة والسياحة والزراعة والأمن الغذائي والبنية التحتية والتحول الرقمي وإدارة الدين ورأس المال البشري ملفات لا تبدأ مع كل حكومة ولا تنتهي برحيلها، والدولة لا تبدأ من الصفر كل أربع سنوات. وعلى الأحزاب أن تدرك الفرق بين برنامجها الخاص وثوابت المصلحة الوطنية طويلة الأمد؛ فمن حق الحزب مراجعة السياسات وإعادة ترتيب الأولويات، لكن عليه أن يستند إلى تقييم موضوعي، وأن يوضح أسباب التغيير وكلفته وآثاره، من دون تحويل التنافس السياسي إلى قطيعة مع الذاكرة المؤسسية للدولة أو إهدار لما تحقق.

ولا يمكن بلوغ هذه الجاهزية من دون بناء قدرات حزبية متخصصة تسبق الوصول إلى السلطة. فالحزب يحتاج إلى بنية مهنية أشبه بحكومة ظل، تضم فرقًا متخصصة في الاقتصاد والتعليم والصحة والمياه والطاقة والعمل والاستثمار والزراعة والسياحة والنقل والإدارة العامة والتحول الرقمي والسياسة الخارجية، تدعمها مراكز للسياسات تمتلك الباحثين والبيانات وأدوات التحليل. وبهذه البنية، يستطيع الحزب تقديم موازنة بديلة عندما ينتقد الموازنة العامة، وسياسة تعليمية متكاملة عندما يعترض على مسار التعليم، وخطة تشغيل قابلة للقياس عندما يناقش البطالة وغيرها. وهكذا تتحول المعارضة من مجرد رفض القرار إلى إنتاج البديل. وهذه لعلها إحدى أهم علامات النضج السياسي الحقيقي. لكن بناء هذه القدرات لا يعني تسييس مؤسسات الدولة أو تحويلها إلى امتداد للحزب الحاكم؛ فالحزب يصل إلى السلطة لتنفيذ برنامجه من خلال مؤسسات الدولة، لا لامتلاكها أو إخضاعها للمحاصصة. الوزير يحدد السياسات والتوجهات العامة، فيما يبقى الجهاز الإداري مهنيًا ومحايدًا، يقدم المعرفة والتحليل والخيارات اللازمة لاتخاذ القرار، وهذا يتطلب جهازًا حكوميًا مؤسسيًا يكون مرجعًا للوزراء مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية، ويحمي الدولة من الارتجال والتجاذبات الحزبية.

كما يحتاج الحزب إلى معايير صارمة لاختيار قياداته ومرشحيه للحقائب الوزارية، تقوم على الكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار وإدارة المؤسسات والأزمات. وينبغي أن يتحول إلى مدرسة وطنية لإعداد الوزراء والنواب والقيادات المحلية؛ فالحزب الذي ينتظر الفوز ليبحث عن الكفاءات ويصوغ السياسات هو حزب انتخابي لم يجعل الاستعداد لتشكيل الحكومة جزءًا من عمله المؤسسي.

وعلى المستوى القطاعي، لا يكفي أن يتضمن البرنامج عناوين عامة، بل يجب أن يقدم تصورات مترابطة تعكس فهمًا لتحديات الأردن وإمكاناته. ففي الاقتصاد ينبغي تحديد معدلات النمو المستهدفة والقطاعات القائدة والاستثمارات المطلوبة والسياسة الضريبية ومصادر التمويل ومسار الدين والعجز، فوعد خلق الوظائف لا يكتمل من دون اقتصاد قادر على إنتاجها. وفي التعليم، ينبغي ربط المدرسة بالتعليم العالي والتدريب المهني والتقني وسوق العمل ضمن استراتيجية اقتصادية شاملة، وقياس نواتج التعلم، وتطوير البحث العلمي ومساهمة الجامعات في الاقتصاد المعرفي. أما المياه والطاقة، فملفان يتشابك فيهما الأمن الوطني مع الاقتصاد والزراعة والصناعة والجغرافيا السياسية، ويتطلبان سياسات متكاملة لإدارة المصادر وخفض الفاقد والتحلية ورفع كفاءة الاستخدام وتطوير مزيج الطاقة. وفي الصحة، ينبغي قياس جودة الرعاية وزمن الانتظار وتوافر الأدوية وكفاءة الإنفاق، لا الاكتفاء بعدد المنشآت وحجم الموازنات، وفي الإدارة العامة تبسيط الإجراءات والرقمنة وربط الأداء الفردي بالأداء المؤسسي ونشر النتائج بشفافية. أما النقل واللوجستيات فينبغي أن يحوّلا الموقع الجغرافي من ميزة كامنة إلى استراتيجية اقتصادية وجيوسياسية فاعلة عبر الموانئ والممرات التجارية والربط الإقليمي والمناطق اللوجستية. وفي الزراعة والأمن الغذائي، يجب الربط بين المياه والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل القيمة والأسواق، وتعظيم العائد من كل وحدة مياه. كما ينبغي تحويل قضايا الشباب والمرأة والتنمية المحلية إلى أهداف قابلة للقياس تتعلق بالمهارات والمشاركة الاقتصادية وفرص العمل والفجوات بين المحافظات. وفي التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، تبرز ضرورة معالجة قضايا البيانات الوطنية والأمن السيبراني وحماية الخصوصية وتوظيف التكنولوجيا في تحسين أداء المؤسسات؛ فالسؤال لم يعد: هل سندخل العصر الرقمي؟ بل: هل سنستخدمه فعليًا لإدارة مؤسسات الدولة، أم سنبقى مستخدمًا سلبيًا له؟

وتقدم التجارب العالمية مبادئ يمكن الاستفادة منها دون استنساخ نماذجها. فقد طورت بريطانيا وحدات لمتابعة الأولويات الحكومية ومعالجة معوقات التنفيذ، واستثمرت سنغافورة في البيانات والتعلم المؤسسي، وأعادت إستونيا تصميم العلاقة بين الدولة والمواطن عبر الرقمنة، وربطت رواندا خططها بمؤشرات الأداء والمراجعة الدورية. والقاسم المشترك هو الانتقال من إدارة الأنشطة والمدخلات إلى قياس النتائج والأثر المستدام. ولذلك يحتاج الحزب الأردني الطامح إلى تشكيل الحكومة إلى وحدة تنفيذ تتابع برنامجه قبل الانتخابات وبعدها، وإلى لوحة أداء وطنية تشمل النمو والاستثمار والوظائف والبطالة والصادرات والدين والعجز، وجودة التعليم والصحة، والأمن المائي وكفاءة الطاقة، والسياحة والزراعة والخدمات الرقمية، ورضا المواطنين وثقتهم بمؤسسات الدولة. ويرتبط كل مؤشر بخط أساس وهدف زمني ومسؤول محدد ومصدر بيانات موثوق، لتصبح المساءلة عملية مؤسسية تبدأ منذ صياغة الوعد لا بعد الإخفاق.

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: هل تستعد الأحزاب لتشكيل الحكومات قبل الوصول إلى السلطة، أم تؤجل التفكير في إدارة الدولة إلى ما بعد الفوز؟ الحزب الجاهز يدخل الحكومة بفريق مؤهل وبرنامج متكامل وأولويات واضحة ومشروعات مدروسة ومؤشرات أداء، أما من يبدأ بعد الفوز باكتشاف الملفات والبحث عن الوزراء وصياغة السياسات على عجل، فيكشف عن فجوة بين طموحه الانتخابي وقدرته المؤسسية. ويمكن اختصار هذا الامتحان في خمسة أسئلة: ماذا سيفعل الحزب في أول مائة يوم؟ وما الذي سيتغير في السنة الأولى؟ وماذا سينجز خلال أربع سنوات؟ وكيف سيقيس النجاح؟ ومن سيحاسبه عند التقصير؟ إن الإجابة عنها بأرقام دقيقة وبرامج محددة وجداول زمنية واضحة تعكس نضجًا واستعدادًا مؤسسيًا جادًا لتحمل المسؤولية.

ولا يعني ذلك أن تصبح الأحزاب متطابقة في برامجها؛ فمن حق حزب أن يعطي الأولوية للاستثمار والاقتصاد، وآخر للحماية الاجتماعية، وثالث للتعليم، ورابع للتنمية المحلية، وخامس للمياه والطاقة والاستدامة. لكن على الجميع أن يجيبوا عن الأسئلة نفسها: ماذا سنحقق؟ وكيف؟ وبأي كلفة؟ ومتى؟ ومن سينفذ؟ وبأي تشريع؟ وكيف ستُقاس النتائج وتُحاسَب الجهات المسؤولة عنها؟

فالسلطة في الدولة الحديثة ليست جائزة انتخابية، بل عقد أداء ومسؤولية أمام المواطنين. وجوهر التحديث السياسي ليس أن نعرف فقط من سيصل إلى السلطة، بل كيف سيحوّل الرؤية الملكية إلى سياسة، والسياسة إلى برنامج تنفيذي، والبرنامج إلى مشروعات، والمشروعات إلى نتائج ملموسة وأثر مستدام في حياة الناس. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي لنضج الحياة الحزبية: أن تنتقل من أحزاب تتنافس على المقاعد، إلى أحزاب تستعد لتحمل مسؤوليتها قبل الوصول إليها؛ ومن وعود انتخابية تنتظر التصديق، إلى برامج تنفيذية واضحة تقبل القياس والمحاسبة. وهذا يتسق مع فلسفة جلالة الملك في تحديث الحياة السياسية وبناء ثقافة وطنية جديدة، لا يقتصر سؤالها على "من سيشكل الحكومة؟"، بل يتقدم عليه السؤال الأهم: ماذا سيفعل تحديدًا؟ وكيف سينفذ؟ وبأي كلفة؟ وما النتائج التي سيتحمل مسؤولية تحقيقها؟

مدار الساعة ـ