أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من يجرؤ على فتح ملف الدعم؟


سلامة الدرعاوي

من يجرؤ على فتح ملف الدعم؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

ربما آن الأوان لإعادة فتح ملف الدعم في الموازنة العامة للدولة، ليس بهدف إلغائه أو المساس بحقوق الأردنيين ومكتسباتهم، وإنما لإعادة تنظيمه وتصحيح تشوهاته وضمان وصوله إلى من يستحقه فعلاً.

فالأردن يواجه ظروفاً اقتصادية وإقليمية بالغة الحساسية؛ من اضطرابات إقليمية وتقلبات أسعار النفط والغاز، إلى ارتفاع كلف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل التوريد. وفي مثل هذه الظروف، تصبح كفاءة الإنفاق العام ضرورة اقتصادية وليست خياراً.

الدعم بمختلف أشكاله يمثل إنفاقاً كبيراً في الموازنة، يتجاوز وفق التقديرات المتداولة ملياراً ومائتي مليون دينار، ويشمل المحروقات والغاز والقمح والأعلاف والمياه والكهرباء، إضافة إلى قطاعات وخدمات أخرى.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: هل نلغي الدعم؟ بل: لمن يذهب الدعم، وهل يصل فعلاً إلى من يحتاجه؟

ولعل التجربة الأردنية الأبرز في هذا المجال تعود إلى عام 2008، عندما كانت حكومة نادر الذهبي الوحيدة التي تعاملت بجدية وبمعالجة اقتصادية مباشرة مع ملف الدعم، إذ أقدمت على رفع أشكال الدعم عن المحروقات، مع الإبقاء على دعم أسطوانة الغاز، وفي المقابل اتخذت إجراءات لتعويض المواطنين، من بينها زيادة رواتب العاملين في الدولة من 45 إلى 50 ديناراً. وبغض النظر عن تقييم تلك التجربة ونتائجها، فإنها تمثل نموذجاً لقرار اقتصادي واضح في ملف ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية. أما الحكومات اللاحقة، فقد غلب على تعاملها مع هذا الملف، بدرجات متفاوتة، منطق الجباية وتحصيل الإيرادات وزيادتها، أكثر من بناء سياسة متكاملة لإعادة توجيه الدعم ورفع كفاءة الإنفاق وضمان وصوله إلى مستحقيه.

فالدعم الشامل، عندما لا يميز بصورة كافية بين محدود الدخل والقادر مالياً، أو بين الفئات المختلفة المستفيدة منه، قد يؤدي إلى تسرب جزء من الموارد العامة إلى غير الفئات المستهدفة. وفي حالة أسطوانة الغاز، خصصت موازنة 2026 نحو 80 مليون دينار للدعم، فيما بلغت مخصصات دعم المواد التموينية، كالقمح والأعلاف، نحو 171 مليوناً.

ولا يعني إصلاح الدعم حرمان أي فئة من حقوقها القانونية أو الإنسانية، بل الانتقال إلى دعم أكثر استهدافاً وعدالة وكفاءة، يستند إلى قواعد بيانات دقيقة ومعايير واضحة للاستحقاق.

والدولة تنفق أيضاً 280 مليون دينار للمعونة النقدية عبر صندوق المعونة الوطنية، و124 مليوناً لمعالجة مرضى السرطان، و50 مليوناً للمعالجات والإعفاءات الطبية، و80 مليوناً لدعم الجامعات، و35 مليوناً لصندوق دعم الطالب، و210 ملايين لتنمية وتطوير البلديات.

كل هذه البنود تستحق المراجعة الاقتصادية الدورية، ليس بالضرورة لخفضها، وإنما لقياس أثرها والتأكد من تحقيقها لأهدافها.

ففي موازنة 2026 تبلغ فوائد الدين العام نحو 2.26 مليار دينار، فيما يقدر عجز الموازنة بعد المنح بنحو 2.125 مليار. وفي ظل هذه الأرقام، لا يجوز التعامل مع أي دينار عام باعتباره إنفاقاً بلا تكلفة.

فتح ملف الدعم لا يعني رفع الأسعار، ولا يعني التخلي عن المواطن؛ بل يعني حماية المال العام حتى تستطيع الدولة حماية المواطن بصورة أكثر استدامة.

المطلوب أن يجرؤ أحد على فتح الملف مجدداً، ولكن بعقل اقتصادي، ومسؤولية اجتماعية، وتجربة واضحة من الماضي، ودون المساس بحقوق الأردنيين ومكتسباتهم.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ