أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تضارب المصالح.. حين تتقدم المصلحة الخاصة على الصالح العام


الدكتورة ميس حياصات

تضارب المصالح.. حين تتقدم المصلحة الخاصة على الصالح العام

مدار الساعة ـ

حين تدخل المصلحة الخاصة من الباب الخلفي إلى غرفة القرار، يصبح الصالح العام أول من يدفع الثمن. فالمشكلة لا تبدأ دائمًا بصفقة مشبوهة أو قرار فاضح؛ قد تبدأ بتفصيل صغير، بعلاقة شخصية، بمصلحة مالية، أو بموقع يسمح لصاحبه بأن يكون طرفًا في القرار ومستفيدًا من نتائجه في الوقت نفسه. وهنا تحديدًا يكمن الخطر: عندما تختلط المسؤولية بالمصلحة، وتضيع الحدود بين ما يجب أن يُفعل لخدمة الناس وما يمكن أن يحقق منفعة خاصة.

تضارب المصالح ليس مجرد مصطلح إداري أو قانوني يتردد في التقارير واللوائح، بل قضية تمس جوهر الثقة العامة. فالمواطن الذي يمنح ثقته للمؤسسات يتوقع أن تُتخذ القرارات وفق معايير واضحة وعادلة، بعيدًا عن الحسابات الشخصية والعلاقات والنفوذ. وحين يشعر بأن القرار قد يكون متأثرًا بمصلحة خاصة، فإن الضرر لا يقتصر على قرار بعينه، بل يمتد إلى صورة المؤسسة ومصداقيتها وثقة المجتمع بها.

والأهم أن وجود تضارب في المصالح لا يعني بالضرورة وقوع فساد أو مخالفة؛ فقد يجد المسؤول أو صاحب الصلاحية نفسه أمام موقف تتعارض فيه مصلحته المباشرة أو غير المباشرة مع واجبه الوظيفي، دون أن يكون قد ارتكب مخالفة. لكن تجاهل هذا التعارض أو إخفاءه أو الاستمرار في ممارسة القرار رغم وجوده، هو ما يفتح الباب أمام شبهات المحاباة واستغلال النفوذ والإضرار بتكافؤ الفرص.

وتضارب المصالح لا يرتبط بالمال وحده؛ فقد يكون ماليًا أو مهنيًا أو عائليًا أو تجاريًا، وقد ينشأ عن علاقة شخصية أو منفعة مستقبلية تضع صاحب القرار أمام اختبار حقيقي في الفصل بين مصلحته الخاصة ومسؤوليته العامة. ولهذا، فإن خطورة تضارب المصالح لا تكمن فقط في المنفعة التي قد تتحقق، وإنما في احتمال أن يتأثر القرار نفسه، أو أن يفقد المجتمع ثقته بعدالة الطريق الذي اتُّخذ من خلاله.

فحتى عندما يكون القرار النهائي صحيحًا، قد تظل طريقة الوصول إليه موضع شك إذا لم تكن المصالح المتعارضة معلنة أو مُدارة بصورة واضحة. فالنزاهة لا تعني فقط أن يكون القرار سليمًا، بل أن تكون عملية اتخاذه أيضًا محمية من التأثير الشخصي ومن الشبهة. ولهذا، فإن الإفصاح عن وجود مصلحة متعارضة لا يعني إدانة صاحبها، بل يمثل إجراءً وقائيًا يحمي القرار، ويحمي المؤسسة، ويحمي صاحب المسؤولية نفسه.

لذلك، فإن مواجهة تضارب المصالح تبدأ قبل وقوع الضرر، من خلال الإفصاح والشفافية والرقابة ووضوح القواعد التي تحدد متى يجب التنحي عن القرار أو التصريح بوجود مصلحة متعارضة. فالنزاهة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدم استغلال المنصب، وإنما أيضًا بالقدرة على الابتعاد عن أي موقف قد يجعل المصلحة الخاصة تؤثر في القرار العام أو تضع نزاهته موضع شك.

ومواجهة تضارب المصالح لا تكون بالشعارات وحدها، بل بإجراءات واضحة وقابلة للتطبيق: إفصاحٌ مسبق عن المصالح، والتنحّي عن القرار عند وجود تعارض حقيقي، ورقابةٌ مستقلة على القرارات الحساسة، ووضوحٌ في الإجراءات، إلى جانب حماية من يبلّغ عن حالات التعارض. فالمطلوب ليس فقط أن نطلب من المسؤول أن يكون نزيهًا، بل أن نبني منظومة تجعل النزاهة ممارسةً مؤسسية.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تُدار المسؤولية العامة باعتبارها أمانة لخدمة المجتمع، أم يمكن أن تتحول، في بعض الحالات، إلى بوابة لمصالح خاصة؟ وبين السؤال والإجابة تقف منظومة كاملة من القوانين والرقابة والشفافية، والأهم منها ثقافة مؤسسية تضع الصالح العام فوق كل اعتبار، وتحمي القرار العام من المصلحة الخاصة ومن الشبهة معًا.

مدار الساعة ـ