اليوم، ومع بدء التعداد السكاني، نحن أمام محطة وطنية لا ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها مجرد إجراء رسمي أو أرقاما تجمع وتحفظ بقواعد البيانات، بل باعتبارها "فرصة حقيقية" لأن نكون جميعا جزءا من رسم صورة الأردن كما هي، بكل تفاصيلها واحتياجاتها وتحدياتها، فما فائدة التعداد؟
التعداد السكاني ليس شأنا حكوميا فقط، ولا مهمة موظف يؤدي واجبه وينتهي الأمر؛ فهو عمل وطني يستفيد منه المواطن قبل أي جهة أخرى، ولهذا فإن كل "معلومة صحيحة" يقدمها المواطن اليوم يمكن أن تكون جزءا من قرار أفضل غدا، سواء تعلق الأمر بمدرسة تحتاجها منطقة، أو مركز صحي، أو طريق، أو شبكة نقل، أو إسكان، أو بنية تحتية وخدمات عامة.أهمية التعداد تكمن بتوفير قاعدة بيانات شاملة ودقيقة ومحدثة عن السكان والمساكن وتوزيعهم الجغرافي والعمري، فالدولة التي لا تعرف عدد "سكانها وتوزيعهم وخصائصهم" قد لا تستطيع أن تخطط بصورة واقعية، فالتخطيط للتعليم والصحة والنقل والإسكان والبنية التحتية يحتاج بالتأكيد لمعلومات دقيقة، لمعرفة أين تتزايد الحاجة وأين تتغير طبيعة السكان واحتياجاتهم.نعم بالتأكيد أن التعداد لا يقتصر على الأردنيين وحدهم، بل يشمل "جميع المقيمين" في المملكة وقت إجراء التعداد، من المواطنين المقيمين داخل المملكة، و"غير الأردنيين المقيمين" للعمل أو الدراسة أو اللجوء أو لأي صفة إقامة أخرى، إضافة إلى الفئات الموجودة في المياه الإقليمية والمطارات والمنافذ الحدودية وفق الشروط المعتمدة.ولعل الأهم أن الأردن شهد خلال السنوات الأخيرة تغيرات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية تستحق أن تُقرأ بدقة؛ من النمو السكاني وتوزيع السكان، إلى واقع سوق العمل والبطالة، وخصائص الأسر والظروف الاقتصادية والاجتماعية، ولهذا فإن هذه البيانات لا يحتاجها صانع القرار فقط، بل يحتاجها الباحث والمستثمر والقطاع الخاص وكل من يريد أن يبني خطة للمستقبل على أساس واضح.قد يقول بعضهم، ماذا ستغير مشاركتي؟ والجواب ببساطة أن كل معلومة يقدمها كل فرد تصبح جزءا من صورة أكبر، وكلما كانت هذه الصورة أكثر دقة، كانت القدرة على فهم الواقع والتخطيط للمستقبل أفضل، لذلك، فإن المشاركة الإيجابية في التعداد ليست مجاملة لأحد، وليست عبئا بلا فائدة بل مساهمة مباشرة في معرفة الأردن الذي نعيش فيه اليوم.خلاصة القول، قد يبدو التعداد السكاني مجرد أسئلة وإجابات، لكنه بالحقيقة أكبر من ذلك بكثير؛ فهو محاولة لأن نعرف أنفسنا وواقعنا بصورة أدق، وأن نمتلك المعلومات التي تساعدنا على اتخاذ قرارات أكثر واقعية في السنوات المقبلة، ولهذا أدعو للمشاركة بفاعلية وبدون خسارة لأن الخسارة الحقيقية تكمن في أن نخطط لمستقبل بأرقام ومعلومات غير دقيقة.للأردنيين.. شاركوا.. لا خسارة
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ