أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ندرّب الشباب على القيادة.. فمتى نمنحهم ملفاً يقودونه؟


أ.د. نورس شطناوي

ندرّب الشباب على القيادة.. فمتى نمنحهم ملفاً يقودونه؟

مدار الساعة ـ

في نهاية كل دورة قيادية، يخرج الشاب بشهادة جديدة. لكن السؤال الذي يستحق أن يرافقه إلى الباب هو: ما المسؤولية التي تنتظرني غداً؟ فبين أن يتعلم الشاب كيف تُصنع القرارات، وأن يجد لنفسه دوراً في صناعتها، مسافة تختبر صدقية حديثنا عن التمكين. والشباب الأردني يستحق أن يرى لهذه المسافة نهاية؛ أن يعرف أن اجتهاده يفتح فرصة، وأن صوته يمكن أن يتحول إلى اقتراح يُناقش وقرار يُتابع.

من هنا، تبرز أهمية البرنامج الذي أطلقته الهيئة المستقلة للانتخاب لبناء قدرات القيادات الشبابية في الأحزاب السياسية بالمحافظات، بالتعاون مع المعهد الهولندي للديمقراطية متعددة الأحزاب، ضمن مشروع دعم الاتحاد الأوروبي للإصلاحات الديمقراطية في الأردن. ووفق خبر الوكالة الأردنية بترا، بدأت فعالياته بورشتين في إربد والزرقاء، بمشاركة شباب من خمس محافظات، مع التوسع لاحقاً إلى بقية المملكة. ويجمع البرنامج المعرفة السياسية والقانونية بمهارات التواصل والقيادة والمساءلة وإدارة النزاعات، عبر نقاشات وتطبيقات عملية.

هذه بداية تستحق التقدير. فالعمل الحزبي يحتاج إلى شباب يفهمون المؤسسات، ويحسنون قراءة المشكلات، ويعرفون كيف يعرضون رأياً ويدافعون عنه بالحجة. كما أن الوصول إلى المحافظات يتيح الاقتراب من قضايا الناس في بيئاتهم؛ حيث تتشكل الأسئلة اليومية حول العمل والنقل والخدمات، وحيث ينبغي أن تجد البرامج الحزبية جذورها ومعناها.

ولأن البرنامج يتضمن تطبيقات وتمارين عملية، فإن السؤال الأكثر فائدة يتعلق بما سيحدث بعده: كيف تنتقل المهارة من بيئة التدريب إلى الممارسة داخل الحزب؟ هنا تقع على الأحزاب مسؤولية استثمار هذا التأهيل، بإتاحة مهام واضحة يستطيع الشباب من خلالها اختبار قدراتهم والإسهام في صياغة المواقف والبرامج. فالهيئة وشركاؤها يهيئون فرصة للتعلم، وعلى المؤسسات الحزبية أن تبني لها امتداداً في عملها اليومي.

لنتخيل أن يعود فريق من المشاركين إلى حزبه، فيُكلف بإعداد ورقة سياسات حول النقل الجامعي في محافظته. يبدأ بالاستماع إلى الطلبة، وجمع المعلومات عن الكلفة والمواعيد، ومناقشة الجهات ذات العلاقة، ثم يقارن البدائل ويقدم توصية. تُعرض الورقة على الهيئة المختصة داخل الحزب، ويُناقش أصحابها في تفاصيلها، ويُوضح لهم ما اعتُمد منها وما يحتاج إلى تطوير، وأسباب ذلك.

في تجربة كهذه، يتعلم الشباب السياسة من بابها العملي. يكتشفون أن المطالبة بخدمة أفضل تستلزم فهماً للموارد والاختصاصات، وأن كسب التأييد يحتاج إلى الإصغاء لأصحاب مصالح مختلفة، وأن الاقتراح القابل للتنفيذ يتطلب أكثر من عبارة جذابة. ويصبح للحزب، في المقابل، اتصال أعمق بمشكلة حقيقية، ومادة يمكن أن يبني عليها موقفه ويتابعها عبر أدواته السياسية المتاحة.

ويمكن أن تتسع التجربة إلى ملفات أخرى: فرص التدريب والعمل، ومشاركة النساء، والبيئة المحلية، أو تطوير التواصل مع المواطنين. وأقترح أن يقترن كل تكليف بمدة محددة، ومشرف ذي خبرة، وإتاحة المعلومات اللازمة، وصلاحيات تتناسب مع المهمة. ثم تُراجع النتائج في جلسة جادة، يعرف فيها المشاركون ما أحسنوا إنجازه وما ينبغي تحسينه. هكذا تُبنى الخبرة بالتدرج، وتصبح المحاسبة جزءاً من التعلم.

ومن الإنصاف أن نطالب الشباب أيضاً بالانضباط والاستعداد وبذل الجهد. فالمسؤولية تحتاج إلى قراءة ومتابعة واحترام للمواعيد، وقدرة على تقبل النقد والعمل مع المختلفين. العمر وحده لا يصنع قائداً، كما أن قلة السنوات لا تبرر إغلاق الباب أمام الكفاءة. والمعيار الذي يستحق أن يحكم الفرص هو ما يقدمه الشخص، وما يظهره من نزاهة وقدرة على الإنجاز والتعاون.

ولكي تكون الفرصة عادلة، ينبغي أن تكون معايير الاختيار للمهمات والمسؤوليات معلنة، وأن تُراعى العوائق التي قد تمنع شاباً أو شابة من المشاركة، ككلفة التنقل أو التزامات العمل. كما ينبغي أن يجد من يثبت كفاءته مساراً واضحاً نحو مسؤولية أكبر داخل الحزب؛ فالتجربة تفقد أثرها إذا انتهت دائماً عند السقف نفسه.

وبعد أشهر، سيكون من المفيد أن نسأل: كم مشاركاً تولى مهمة؟ وكم مقترحاً وصل إلى النقاش المؤسسي؟ وما الذي تعلمته الأحزاب من شبابها؟ هذه أسئلة تساعد على تطوير التجربة، وتمنح التدريب قيمة يمكن تتبعها.

نحتاج أن نجعل عبارة (أنتم قادة المستقبل) وعداً له خطوات تبدأ اليوم. وحين ينهي الشاب تدريبه، فلنضع أمامه مهمة تستحق جهده، ونمنحه ما يلزم لإنجازها، ثم نسأله عن النتيجة. عندها تصبح الشهادة بداية حكاية يستطيع أن يرويها بثقة: هذا ملف توليته، وهذا ما قدمته للناس.

مدار الساعة ـ