أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بعد الانسحاب الأمريكي من العراق: لماذا يتقدم الأردن في الحسابات العسكرية الأمريكية؟


د. سعود الشرفات
مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب في عمان الأردن

بعد الانسحاب الأمريكي من العراق: لماذا يتقدم الأردن في الحسابات العسكرية الأمريكية؟

د. سعود الشرفات
د. سعود الشرفات
مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب في عمان الأردن
مدار الساعة ـ

يمثل انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026 نهاية مرحلة استمرت أكثر من عقد، لكنها لا تعني انتهاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. فواشنطن أنهت مهمتها العسكرية المباشرة في العراق ضمن عملية العزم الصلب، وانتقلت إلى نموذج جديد يقوم على العلاقة الدفاعية الثنائية مع بغداد، في حين بقيت قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب CJTF-OIR قائمة، وأصبح مقرها في الأردن. ومن المهم هنا التمييز بين قيادة المنطقة الوسطى الأمريكية سنتكوم وبين قوة المهام المشتركة؛ فسنتكوم لم تنتقل إلى الأردن، وإنما أصبح مقر CJTF-OIR، التابعة لها، في المملكة. وكان المقر موجوداً في الأردن قبل اكتمال الانسحاب من العراق، وفقاً للقيادة المركزية الأمريكية.

هذا التطور يكشف عن تغير في النموذج العملياتي الأمريكي أكثر مما يكشف عن مجرد نقل جغرافي للقوات. فقد كان العراق خلال السنوات الماضية مركزاً رئيسياً للوجود العسكري الأمريكي في الحرب على تنظيم داعش، أما بعد الانسحاب فأصبحت المسؤولية الأساسية عن الأمن العراقي تقع على عاتق الدولة العراقية، مع استمرار واشنطن في تقديم أشكال محددة من التعاون الدفاعي، بما في ذلك التدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية. وفي المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بقدرتها على متابعة تهديدات تنظيم داعش في المنطقة من خلال وجودها وشراكاتها الإقليمية.

في هذا السياق تبرز أهمية الأردن بصورة مختلفة. فالمملكة لا تحل ببساطة محل العراق، ولا تتحول إلى بديل عنه، وإنما تصبح جزءاً أكثر أهمية من البنية العملياتية الأمريكية في مرحلة مختلفة من الوجود العسكري في الشرق الأوسط. ويستند ذلك إلى مجموعة من العوامل، من بينها الموقع الجغرافي، والبنية العسكرية القائمة، والخبرة الطويلة في مكافحة الإرهاب، والقدرة على العمل المشترك مع القوات الأمريكية، إضافة إلى الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم التعاون الدفاعي بين البلدين.

وقد اكتسب هذا الدور بعداً إضافياً خلال عام 2026 بسبب التطورات الأمنية الإقليمية، ولا سيما المواجهة الأمريكية الإيرانية. فالأردن لم يعد مجرد دولة تقع في محيط الأزمات الإقليمية، بل أصبح أيضاً ضمن المجال الجغرافي الذي تعرض فيه الوجود العسكري الأمريكي لهجمات إيرانية مباشرة. ففي 9 أيلول/سبتمبر أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن المملكة تعرضت لهجوم صاروخي انطلق من الأراضي الإيرانية، وأن منظومات الدفاع الجوي الأردنية تعاملت مع 20 صاروخاً باليستياً واعترضت ودمرت 18 منها، فيما سقط صاروخان في مناطق غير مأهولة، من دون تسجيل خسائر في الأرواح.

ولم يقتصر الأمر على التهديد للمجال الجوي الأردني، إذ أفادت رويترز في 10 أيلول/سبتمبر بأن هجمات استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية وألحقت أضراراً بعدد من الطائرات العسكرية الأمريكية الموجودة فيها، بما في ذلك طائرة من طراز A-10 وعدد من طائرات F-15. وهذه الوقائع تجعل المعادلة أكثر تعقيداً: فكلما ازدادت أهمية الأردن بالنسبة إلى الوجود العسكري الأمريكي، ازدادت في الوقت نفسه أهمية حماية المنشآت والقوات الموجودة فيه، وأصبحت مسائل الدفاع الجوي والإنذار المبكر وحماية القوة والتنسيق العملياتي جزءاً أكثر حساسية من التعاون الأردني الأمريكي.

ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق الاستنتاج بأن التهديد الإيراني هو السبب المباشر وراء انتقال مقر CJTF-OIR إلى الأردن. فالمصادر الأمريكية الرسمية كانت قد أعلنت في آب/أغسطس أن مقر القوة موجود في الأردن، كما أن عملية إعادة التموضع من العراق جاءت ضمن انتقال مخطط في طبيعة العلاقة الدفاعية الأمريكية العراقية. الأدق هو النظر إلى الأمرين باعتبارهما جزءاً من بيئة استراتيجية واحدة: انسحاب أمريكي من مسرح العمليات العراقي المباشر، وإعادة تنظيم للوجود العسكري الإقليمي، في وقت أصبح فيه الأردن نفسه موقعاً مهماً للوجود العسكري الأمريكي وهدفاً محتملاً لهذا الوجود بالنسبة إلى إيران.

ومن منظور أردني، تحمل هذه المعادلة جانبين متلازمين. فمن جهة، يرفع وجود مقر قوة مهام مشتركة أمريكية في المملكة من الوزن العملياتي للأردن في الحسابات الدفاعية الأمريكية، وقد يوسع مجالات التعاون في التدريب والاستخبارات والاتصالات والقدرات الدفاعية. ومن جهة أخرى، فإن ارتفاع القيمة العملياتية لأي موقع عسكري يعني عادة ارتفاع حساسيته الاستراتيجية، خصوصاً في بيئة إقليمية أثبتت خلالها الصواريخ والطائرات المسيّرة قدرتها على الوصول إلى منشآت عسكرية بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة التقليدية.

لذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى الأردن ليس ما إذا كان قد أصبح بديلاً عن العراق، وإنما كيف ستدار هذه المكانة الجديدة في ظل التوازن الدقيق بين متطلبات الشراكة الدفاعية الأردنية الأمريكية، والسيادة الأردنية، ومتطلبات حماية الأراضي والأجواء والمصالح الوطنية. فوجود قوات أمريكية في الأردن لا يعني أن المملكة أصبحت قاعدة أمريكية أو أن القوات المسلحة الأردنية تعمل تحت القيادة العسكرية الأمريكية؛ بل إن التعاون يجري ضمن ترتيبات واتفاقيات بين دولتين ذات سيادة، مع بقاء القرار العسكري الأردني ضمن مؤسسات الدولة الأردنية.

إن الانسحاب الأمريكي من العراق، بهذا المعنى، لا يمثل نهاية للوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط ، بل إعادة تنظيم له. وفي هذه العملية يكتسب الأردن أهمية متزايدة باعتباره موقعاً جغرافياً وعسكرياً وسياسياً قادراً على استضافة جزء من البنية العملياتية الأمريكية، في وقت تتداخل فيه مواجهة الإرهاب مع المنافسة الإقليمية الأوسع. أما التحدي الحقيقي أمام عمان، فيتمثل في إدارة هذه الأهمية المتزايدة بحيث تتحول إلى تعاون دفاعي منضبط يحافظ على المصالح الأردنية والسيادة الوطنية، من دون أن تصبح المملكة، بحكم موقعها وشراكاتها، ساحة تلقائية لتداعيات الصراعات الإقليمية.

مدار الساعة ـ