أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من فكرة انطلقت من اليرموك إلى قضية وطنية.. الأمن المائي لا يحتمل التأجيل


أ.د. محمد تركي بني سلامة

من فكرة انطلقت من اليرموك إلى قضية وطنية.. الأمن المائي لا يحتمل التأجيل

مدار الساعة ـ

في بعض الأحيان تبدأ الفكرة صغيرة في مكتب أو مركز بحثي أو جامعة، ثم تأتي الأحداث لتمنحها معنى أكبر بكثير من المكان الذي ولدت فيه. وهذا، في تقديري، ما حدث مع فكرة المؤتمر الدولي للأمن المائي وأمن الطاقة التي انطلقت قبل أشهر من مركز دراسات التنمية المستدامة في جامعة اليرموك.

فما كان بالأمس مبادرة أكاديمية انطلقت من جامعة أردنية، لم يعد اليوم شأناً يخص جامعة اليرموك، ولا الجامعات الشريكة، ولا اللجنة التنظيمية، ولا الأشخاص الذين بادروا إلى الفكرة.

لقد أصبحت القضية وطنية بامتياز.

والسبب واضح.

ففي خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضع جلالة الملك عبد الله الثاني الأمن المائي في قلب مفهوم الأمن الوطني الأردني، محذراً من التطورات في جنوب سوريا وفرض وقائع جديدة على الأرض تمس موارد مائية حيوية، ومؤكداً أن أي تهديد لحدود الأردن الشمالية أو لأمنه المائي هو تهديد لأمنه الوطني.

وهنا تتغير المعادلة تماماً.

عندما يصبح الماء جزءاً من خطاب الدولة حول أمنها الوطني، فإن المؤتمر الذي يناقش الأمن المائي لا يعود مجرد مؤتمر جامعي، ولا نشاطاً أكاديمياً يمكن قياس أهميته بعدد المشاركين أو الأوراق العلمية أو جلسات الافتتاح والختام.

إنه يصبح فرصة وطنية لإنتاج المعرفة، واستشراف المخاطر، ووضع البدائل، وربط البحث العلمي بصناعة القرار.

ومن هنا، فإن فكرة المؤتمر التي انطلقت من جامعة اليرموك أصبحت أكبر من الجامعة نفسها.

وهذا ليس انتقاصاً من دور الجامعة، بل هو نجاح للفكرة ودليل على أنها التقطت مبكراً قضية باتت اليوم في صدارة الاهتمام الوطني.

لقد كانت المبادرة أكاديمية في بدايتها، لكنها أصبحت في ضوء التطورات الأخيرة مبادرة وطنية تستحق أن تتبناها مؤسسات الدولة والمجتمع والجامعات ومراكز البحث والخبراء والإعلام، كل من موقعه واختصاصه.

ولذلك، لا أعتقد أن من الإنصاف اليوم تحميل الجامعات الشريكة وحدها مسؤولية إنجاح المؤتمر.

المسؤولية أصبحت أوسع من الجامعات، لأنها مسؤولية وطنية بامتياز.

وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة.

صحيح أن المؤتمر تأجل إلى العام القادم، لكن التأجيل لا ينبغي النظر إليه بوصفه نهاية للمشروع، ولا سبباً للتشاؤم، بل يمكن ـ إذا أحسن استثماره ـ أن يتحول إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء المؤتمر على أسس أقوى وأكثر طموحاً وتأثيراً.

فبدلاً من أن نسأل: لماذا تأجل المؤتمر؟

ربما يكون السؤال الأكثر فائدة الآن:

كيف نستثمر هذا التأجيل لكي نعقد مؤتمراً يليق بحجم القضية التي يناقشها؟

وهذه هي المسألة الأهم.

لقد أُنجز الكثير، وبُذلت جهود كبيرة، وتشكلت لجنة تنظيمية، وأُجريت اتصالات، واستُقطبت خبرات، وتطوع أكاديميون وشخصيات وطنية للعمل من أجل الفكرة.

ومن غير المنطقي أن نبدأ من الصفر.

بل المطلوب هو البناء على ما تم إنجازه، والمحافظة على الجهد التراكمي، وتوسيع دائرة الشراكة، وتحويل الفترة الفاصلة حتى موعد المؤتمر إلى ورشة عمل وطنية حقيقية.

فالهدف لا ينبغي أن يكون مجرد القول إن المؤتمر عُقد.

لدينا في العالم العربي ما يكفي من المؤتمرات التي تُعقد، وتُلقى فيها الكلمات، وتُلتقط الصور، وتصدر عنها توصيات أنيقة، ثم تبدأ التوصيات رحلة طويلة إلى الأدراج!

نحن بحاجة إلى مؤتمر مختلف.

مؤتمر لا ينتهي عند الجلسة الختامية، بل يبدأ منها.

مؤتمر تكون مخرجاته قابلة للتحول إلى سياسات عامة ومبادرات ودراسات وأوراق سياسات.

مؤتمر يجمع الأكاديمي وصانع القرار والخبير والمتخصص، وينقل النقاش حول الماء والطاقة من دائرة التشخيص إلى دائرة الحلول والبدائل.

فإذا كان جلالة الملك قد وضع الأمن المائي في إطار الأمن الوطني، فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه المؤسسات الأكاديمية والوطنية هو أن تترجم هذه الرؤية إلى معرفة علمية وسياسات عملية.

وهنا تحديداً ينبغي أن تكون القيمة المضافة للمؤتمر.

لا نريد مؤتمراً يكرر ما نعرفه جميعاً: أن الأردن يعاني شح المياه، وأن الطاقة قضية استراتيجية، وأن التغير المناخي يفاقم التحديات.

هذه مرحلة تجاوزناها.

المطلوب أن نسأل: ماذا سنفعل؟

ما البدائل؟

ما السيناريوهات؟

كيف نحمي حقوق الأردن ومصالحه المائية؟

كيف نعزز أمن الطاقة؟

وكيف يمكن للجامعات ومراكز البحث أن تتحول من مؤسسات تدرس المشكلات بعد وقوعها إلى مؤسسات تساعد الدولة على استشرافها قبل وقوعها؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق مؤتمراً وطنياً ودولياً حقيقياً.

ومن هنا أيضاً، يصبح دور الإعلام مهماً.

فالمؤتمر الذي يتناول الأمن المائي وأمن الطاقة لا ينبغي أن يبقى خبراً جامعياً صغيراً في صفحة الأنشطة.

إنه يتناول قضايا تمس حياة الأردنيين ومستقبل أبنائهم.

فإذا لم يكن الماء الذي سيشربه الأردني غداً قضية رأي عام، فما الذي يستحق أن يكون قضية رأي عام؟

وإذا لم يكن أمن الطاقة ومستقبل الموارد الطبيعية جزءاً من النقاش الوطني، فما الذي يستحق النقاش؟

لهذا، فإن المرحلة المقبلة يجب ألا تكون مرحلة انتظار لموعد جديد للمؤتمر، بل مرحلة عمل.

عمل لتوسيع المشاركة.

وعمل لاستقطاب الخبرات الوطنية والدولية.

وعمل لإشراك المؤسسات المعنية وصناع القرار.

وعمل لتطوير محاور المؤتمر بحيث تستجيب مباشرة للتحديات التي أشار إليها جلالة الملك.

والأهم، عمل مسبق على آلية تضمن ألا تنتهي التوصيات بانتهاء المؤتمر، بل تجد طريقها إلى الجهات التي تستطيع تحويلها إلى سياسات وقرارات.

وفي هذا السياق، لا بد من توجيه جزيل الشكر والتقدير لكل من آمن بهذه الفكرة منذ بدايتها، ولكل من دعمها وساندها، ولكل من تطوع بوقته وجهده وخبرته من الأكاديميين والخبراء والمؤسسات والجامعات وأعضاء اللجنة التنظيمية.

فالعمل الوطني الحقيقي لا يُقاس بمن أطلق الفكرة، وإنما بما تصبح عليه الفكرة عندما يتبناها الآخرون.

ولذلك أكرر:

هذا المؤتمر لم يعد مؤتمر جامعة اليرموك، ولم يعد مؤتمر جامعة أو مؤسسة أو شخص.

لقد أصبح، بحكم موضوعه والظروف المحيطة به والرؤية الملكية التي وضعت الأمن المائي في صميم الأمن الوطني، مشروعاً وطنياً يستحق أن نتعامل معه بهذه الروح.

وقد يكون تأجيله، paradoxically، فرصة لا عبئاً.

فرصة لكي ننتقل به من مؤتمر جيد إلى منصة وطنية ودولية مؤثرة.

وفرصة لكي نخرج من منطق «عقد المؤتمر» إلى منطق «ماذا سيغير المؤتمر؟»

وفرصة لكي نبرهن أن الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الوطنية قادرة على التقاط الرؤية الملكية وترجمتها إلى معرفة وسياسات ومبادرات قابلة للتطبيق.

فالنجاح الحقيقي لن يكون في امتلاء قاعة المؤتمر بالحضور.

ولا في عدد الكلمات الافتتاحية.

ولا في عدد الصور المنشورة في اليوم التالي.

النجاح الحقيقي سيكون في توصية تجد طريقها إلى قرار، وفكرة تتحول إلى سياسة، ودراسة تساعد على حماية قطرة ماء أو تعزيز مصدر طاقة أو صون مصلحة وطنية.

عندها فقط نستطيع القول إننا انتقلنا من التنظير إلى الفعل الوطني الصادق.

وإذا كانت الفكرة قد بدأت من جامعة اليرموك، فإن نجاحها الحقيقي سيكون يوم تصبح ملكاً للوطن كله.

وهذا ما نأمله... وهذا ما يستحق العمل من أجله.

وللحديث بقية.

مدار الساعة ـ