مدار الساعة - كانت لورين بيرنز قد استسلمت لاحتمال ألا ترى والدتها مجددًا.
بعد ثلاثة أشهر من اصطحاب والدها لها من ولاية تكساس إلى الأردن، حين كانت في السابعة من عمرها، كانت بيرنز تجلس في حافلة مدرسية متجهة إلى صفها، عندما وقعت جلبة في الخارج. ثم لمحت عبر النافذة وجهًا تعرفه جيدًا: وجه والدتها.وقالت بيرنز لصحيفة «كريستيان بوست»، وفق ترجمة مدار الساعة: «كل ما استطعت رؤيته كان وجه أمي وعينيها الجميلتين تحدقان بي عبر النافذة. لكنني تجمدت في تلك اللحظة، لأن كل ما دار في ذهني هو أن هذه المرأة تشبه أمي تمامًا، لكن لا يمكن أن تكون هي؛ فأمي بعيدة جدًا في دالاس. لا بد أنني أحلم، لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًا».كانت والدة بيرنز، كاثي ماهون، قد سافرت إلى الخارج برفقة فريق صغير من الرجال، وهم جنود متقاعدون من القوات الخاصة الأميركية، في محاولة لإنقاذ ابنتها. وبعد تعقّب حافلة بيرنز المدرسية، قرر الفريق أن محطة خارج المدينة المزدحمة ستكون الفرصة الأفضل لإخراجها بأمان.قام أحد الرجال بإلهاء السائق، بينما فتح آخر أبواب الحافلة بالقوة. واقتربت والدة بيرنز من النافذة وأشارت إلى ابنتها كي تنزل، لكن الطفلة لم تستطع الحركة.وتذكرت قائلة: «كنت قد اقتنعت بأنني لن أراها مرة أخرى، ولذلك تجمدت في تلك اللحظة ودخلت في حالة صدمة».وفي النهاية، صعدت والدتها إلى الحافلة وحملت بيرنز وتوجهت بها نحو السيارة التي كانت تنتظر في الخارج. وعندما قفزت مشرفة على ظهر والدتها، قالت بيرنز إن أمها لكمت المرأة قبل أن يتدخل فريق الإنقاذ. ثم وُضعت بيرنز تحت أغطية في الجزء الخلفي من السيارة بينما كان الفريق يفر بها.وقالت: «كانت لحظة واضحة جدًا في ذاكرتي؛ لحظة رؤيتي أمي للمرة الأولى».وبعد نحو أربعة عقود، تروي بيرنز، البالغة الآن 46 عامًا، والمتزوجة والأم التي تعيش في سان أنطونيو بولاية تكساس، القصة الكاملة لاختطافها وإنقاذها ورحلتها الممتدة لعقود نحو التعافي، في كتابها **«مسروقة: قصة حقيقية — اختُطفت، أُنقذت، واستُعيدت»**، الصادر عن دار «بوست هيل برس»، والذي كتبت مقدمته مغنية موسيقى الكانتري الحائزة جائزة غرامي ميراندا لامبرت.وبالنسبة إلى بيرنز، لا تقتصر القصة التي تريد روايتها على الملابسات المثيرة لاختطافها وإنقاذها، بل تتناول أيضًا ما حدث بعد ذلك؛ من غضب وخوف وجروح نفسية مرتبطة بعلاقتها بوالدها، حملتها معها إلى سنوات المراهقة، فضلًا عن الإيمان الذي مكّنها من مسامحة والدها.بدأت محنة بيرنز خلال عطلة عيد الهالوين عام 1987. كان والداها منفصلين، وكانت تتوقع أن تقضي عطلة نهاية الأسبوع مع والدها وزوجته وأشقائها، كما اعتادت أن تفعل. وطلب والدها من أمها السماح لها بالبقاء ليلة إضافية للمشاركة في جولة الهالوين لجمع الحلوى، وأخبرها بأنه سيصطحب بيرنز إلى المدرسة صباح الاثنين.كانت بيرنز ترتدي زي مشجعة رياضية خاصًا بالهالوين عندما اصطحبها والدها، لكنه أخبرها، بدلًا من التوجه إلى الحي الذي يسكن فيه، بأنهما ذاهبان إلى المطار.وقالت بيرنز: «استدار ونظر إليّ وقال: نحن في الواقع ذاهبان إلى المطار. لدي مفاجأة كبيرة لك؛ سآخذك إلى الأردن لترَي المكان الذي نشأت فيه، وتلتقي بقية أفراد عائلتك وأقاربي».وبدأت على الفور تسأله عن أشقائها وزوجته، وما إذا كانوا سيرافقونهما، وما إذا كانت أمها تعرف بهذه الرحلة.وكانت زيارة الأردن أول تجربة لبيرنز خارج الولايات المتحدة. لم تكن تتحدث العربية، ووجدت نفسها فجأة في ثقافة غير مألوفة لها، وبعيدة عن أمها وزوجة أبيها. أخبرها والدها في البداية أنهما في إجازة، لكنها بدأت تشك في الأمر بعدما تغير أسلوبه في التعامل معها.وعندما أخبرها بأنها ستبدأ الدراسة في المدرسة ومنعها من التحدث إلى والدتها، أدركت أنها لم تكن في إجازة. كما تغيرت معاملته لها؛ ففي تكساس كان لطيفًا ومحبًا، لكنه أصبح في الأردن باردًا وبعيدًا فجأة.وقالت: «عندها بدأ الخوف الحقيقي، والارتباك، وفكرة أنني لن أرى أمي أو أعود إلى منزلي مرة أخرى، وأن هذا هو واقعي الجديد».وأضافت: «من المفترض أن يكون والدك الشخص الذي يحميك ويحبك ولا يكذب عليك. كانت تلك المرة الأولى التي حطم فيها أبي طفولتي حقًا، وبدأت البراءة التي كنت أتمتع بها في سن السابعة تتلاشى تدريجيًا».بقيت بيرنز غائبة نحو ثلاثة أشهر قبل أن تعيدها عملية الإنقاذ إلى الولايات المتحدة. غير أن تحررها جسديًا لم يؤدِّ فورًا إلى شفاء الجروح النفسية التي حملتها معها.وشهدت حياتها نقطة تحول مهمة بفضل عائلة لامبرت، وهي عائلة صديقة لها منذ طفولتها. فقد ساند بيفرلي وريك لامبرت، والدا نجمة موسيقى الكانتري ميراندا لامبرت، والدة بيرنز طوال الأشهر الثلاثة التي ظلت خلالها مفقودة، وكانا من أوائل الأشخاص الذين التقتهم عند عودتها إلى تكساس.وقررت بيرنز في نهاية المطاف أنها تريد رؤية والدها مجددًا. وعندما بلغت نحو 13 عامًا، وبعدما تأكدت أسرتها من أن اللقاء أصبح آمنًا، أعادت التواصل معه. وواصلت رؤيته من حين إلى آخر خلال سنوات الدراسة الثانوية، في محاولة لمواجهته والعثور على إجابات عن أسئلة ظلت تحملها منذ طفولتها. وحضر والدها أيضًا حفل تخرجها من المدرسة الثانوية.وبعد ذلك، فعلت والدتها شيئًا أسهم في تشكيل فهم بيرنز لمعنى التسامح؛ إذ دعت الرجل الذي أخذ ابنتها إلى الخارج إلى منزلها وأعدّت له ولعائلته الطعام.وقالت بيرنز: «كانت أمي توضح لي بأفعالها كيف تكون المسامحة»، مشيرة إلى أن والدتها قدمت تضحيات كبيرة لاستعادتها، حتى إنها باعت مجوهراتها لتسديد الإيجار، قبل أن تنتقل لاحقًا مع بيرنز إلى فلوريدا للإقامة لدى جدتها.وأضافت: «أن تدعوه إلى منزلنا، فذلك هو معنى المسامحة. وبوصفي أمًا اليوم، أرى أن هذا التصرف بالغ التأثير».وتابعت: «أرى الأمور الآن بصورة مختلفة؛ أراها بصفتي أمًا وزوجة»، موضحة أنها باتت تفكر في ما عاشته زوجة أبيها وغيرُها خلال تلك المحنة. وأضافت: «لقد مست هذه الواقعة حياة كثيرين وأثرت فيهم، وليس أنا وأمي فقط».وألهم تسامح والدتها بيرنز في النهاية كي تسامح والدها هي الأخرى.وقالت: «كان عليّ أن أخوض رحلة مسامحته على ما فعله، حتى أتمكن من البدء في التعافي. لأنني لو بقيت متمسكة بالغضب والاستياء اللذين حملتهما تجاهه طويلًا، ولو ظللت عاجزة عن مسامحته، فلا أعتقد أنني كنت سأستطيع الوقوف والتحدث عن مدى عظمة أبينا السماوي، بينما ما زلت أحمل كل ذلك الغضب تجاه أبي الأرضي».وجاءتها فكرة تأليف كتاب «مسروقة» بصورة غير متوقعة قبل نحو ثلاثة أعوام، بينما كانت تقرأ كتابًا للطهي من إعداد ميراندا لامبرت. وأعادت إليها الوصفات ذكريات نشأتها قرب عائلة لامبرت، ومنها طبق رغيف اللحم الذي كانت تعدّه بيفرلي لامبرت، فوجدت نفسها تبكي.جنود متقاعدون من القوات الخاصة الأميركية تدخلوا.. أميركية تروي قصة إعادتها من والدها الأردني إلى تكساس
مدار الساعة (مترجم عن كريستيان بوست) ـ









