أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

كيف نحمي الداخل من أزمات الجوار؟


أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال

كيف نحمي الداخل من أزمات الجوار؟

أ.د. حسن الدعجة
أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لا تقف الاضطرابات الإقليمية عند حدود الدول التي تشهدها، بل تمتد آثارها إلى اقتصادات المجتمعات المجاورة وأمنها واستقرارها. وبالنسبة إلى الأردن، تجعل الجغرافيا السياسية من إدارة هذه التداعيات مهمة وطنية مستمرة؛ فالمملكة تقع في منطقة تتقاطع فيها الصراعات والمصالح الدولية، وتتأثر بما يجري في فلسطين وسورية والعراق، وبالتوترات الأوسع في المنطقة. ولذلك، فإن السؤال الأساسي يتجاوز متابعة تطورات الأزمات إلى كيفية حماية الداخل الأردني من كلفتها المتراكمة، وتعزيز قدرة الدولة والمجتمع على مواجهتها.

تبدأ الكلفة الداخلية من الاقتصاد، حيث يمكن لاضطراب طرق التجارة والنقل أن يرفع أسعار الشحن والتأمين، ويؤخر وصول المواد الأولية والسلع. وفي اقتصاد يحتاج إلى الاستيراد لتلبية جانب من احتياجاته، تنتقل هذه الضغوط إلى كلفة الإنتاج والتوزيع، ثم إلى المستهلك بدرجات متفاوتة. وحتى عندما تتوافر السلع، فإن ارتفاع كلفتها يضغط على ميزانيات الأسر والمنشآت، ويحد من قدرتها على الإنفاق والتوسع، ويجعل إدارة الأسعار والمخزون والبدائل التجارية أكثر أهمية لحماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وتشكل الطاقة إحدى قنوات انتقال الأزمات الخارجية إلى الداخل. فتقلبات أسعارها أو تعطل إمداداتها المحتمل ينعكس على النقل والصناعة والزراعة والخدمات، وقد يفرض أعباء إضافية على المالية العامة. ومن هنا، تبرز أهمية تنويع المصادر والمسارات، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتوسيع الاستفادة المدروسة من الموارد المحلية والطاقة المتجددة. وتحتاج هذه الخيارات إلى تقييم اقتصادي وفني متوازن، يراعي استقرار الشبكات وكلفة التخزين والاستثمار، حتى تتحول سياسات الطاقة إلى عنصر حماية للإنتاج ودخل المواطن على المدى الطويل.

أما السياحة، فتتأثر بصورة المنطقة في أذهان المسافرين، حتى حين تكون المقاصد الأردنية بعيدة عن ساحات المواجهة. وقد يدفع القلق الإقليمي بعض الزوار إلى تأجيل رحلاتهم، فتتراجع إيرادات الفنادق والمطاعم والنقل والمشروعات المرتبطة بها. وتزداد حساسية هذه التداعيات في المجتمعات التي تعتمد على النشاط السياحي. لذلك، ينبغي تطوير خطط استجابة مرنة تشمل تنويع الأسواق، وتنشيط السياحة الداخلية، وتوفير معلومات دقيقة، ومساندة المنشآت القابلة للاستمرار، بما يساعدها على الاحتفاظ بالعاملين وتجاوز فترات التباطؤ المؤقت.

وتنعكس حالة عدم اليقين أيضًا على الاستثمار، لأن المستثمر يوازن بين العائد المتوقع والمخاطر المحيطة. وقد تؤدي التوترات الممتدة إلى تأجيل قرارات التوسع أو زيادة كلفة التمويل والتأمين. غير أن الأردن يستطيع تقليل أثر هذه المخاطر من خلال وضوح التشريعات واستقرار الإجراءات وسرعة الخدمات وحماية الحقوق. فكل تحسن في البيئة الداخلية يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على جذب الاستثمار والاحتفاظ به، ويعزز فرص تحويل الاستقرار المؤسسي إلى ميزة اقتصادية ملموسة يستفيد منها المواطن والمشروع المحلي.

وفي الموازاة، تفرض الأزمات المحيطة متطلبات أمنية متزايدة لحماية الحدود ومواجهة التهريب والجريمة المنظمة وأي محاولات لاستغلال الفوضى الإقليمية. وهذه مسؤوليات ضرورية لحماية السيادة وسلامة المجتمع، لكنها تستدعي موارد وتجهيزات وتنسيقًا مستمرًا. وتكمن المعادلة الدقيقة في توفير متطلبات الأمن مع المحافظة على الإنفاق التنموي والخدمات الأساسية. ويساعد التخطيط المالي بعيد المدى، ورفع كفاءة المؤسسات، والتعاون الإقليمي والدولي، على إدارة هذه الالتزامات دون إضعاف الأولويات الاجتماعية التي تسند استقرار الدولة وتماسك مجتمعها في الأزمات.

وتبرز كذلك الأبعاد الإنسانية، إذ يمكن أن تؤدي الصراعات إلى موجات نزوح جديدة وضغوط على المجتمعات المستضيفة والخدمات والبنية التحتية. ويقتضي التعامل مع هذا الاحتمال الجمع بين الالتزام الإنساني وحماية القدرة الوطنية على الاستجابة. كما يتطلب تقاسمًا دوليًا عادلًا للأعباء، وتمويلًا مستدامًا للقطاعات المتأثرة، ودعمًا للمجتمعات المستضيفة. فلا يجوز أن تتحول الاستجابة الإنسانية إلى التزام تتحمله دول الجوار وحدها، بينما تتراجع مساهمة الأطراف الدولية في معالجة الأسباب وتوفير الموارد اللازمة لتخفيف التداعيات وحماية المتضررين.

ولا تقل الكلفة الاجتماعية والنفسية أهمية عن الكلفة المالية. فمتابعة مشاهد العنف، والقلق على المستقبل، والإشاعات المرتبطة بنقص السلع أو اتساع المواجهات، قد تؤثر في سلوك الناس وثقتهم وقراراتهم. وهنا تصبح المعلومة الدقيقة خدمة عامة أساسية، ويغدو التواصل المؤسسي المنتظم جزءًا من إدارة الأزمة. والمطلوب خطاب يحترم وعي المواطن، ويشرح المخاطر والإجراءات بوضوح، ويتيح مساحة للنقاش المسؤول، مع تعزيز التربية الإعلامية وقدرة المجتمع على التحقق من الأخبار ومقاومة التضليل الذي يستثمر الخوف والارتباك.

وتبقى الدبلوماسية الأردنية أداة أساسية لتقليل الكلفة الداخلية، من خلال العمل على التهدئة، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، ورفض التهجير، ودعم الحلول السياسية التي تحفظ سيادة الدول وأمن شعوبها. فاستمرار الصراعات يغذي بيئة من عدم الاستقرار يصعب احتواء آثارها اقتصاديًا وأمنيًا. ومن مصلحة الأردن توسيع التنسيق العربي وبناء الشراكات الدولية الداعمة للاستقرار، مع تأكيد أن حماية المدنيين ومعالجة جذور النزاعات توفران أساسًا أكثر استدامة لأمن المنطقة من الاكتفاء بإدارة تداعياتها المتكررة على الدول والمجتمعات.

إن حماية الداخل الأردني تتطلب استعدادًا يسبق الصدمة، عبر خطط للطوارئ ومخزونات مدروسة وسلاسل إمداد متنوعة وشبكات حماية اجتماعية قادرة على الاستجابة. كما تتطلب دعم الإنتاج المحلي وتأهيل الشباب وتوسيع التنمية في المحافظات، لأن المجتمع المنتج أقدر على تحمل الأزمات. وتظل قوة الأردن مرتبطة بتكامل مؤسساته وثقة مواطنيه وكفاءة سياساته. وكلما تحولت دروس الاضطرابات إلى إصلاحات عملية، تقلصت الكلفة الداخلية، وتعززت قدرة المملكة على صون استقلال قرارها وحماية معيشة شعبها ومستقبل أجيالها بثبات.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ