أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الاستثمار في الأردن بين الحوافز واليقين القانوني


المحامي هيثم عريفج

الاستثمار في الأردن بين الحوافز واليقين القانوني

مدار الساعة ـ

قد يحصل مشروع على إعفاءات مجزية، ثم تتراجع جدواه قبل أن يبدأ التشغيل: ترخيص يتأخر، أو موقع لا يستوفي متطلبات النشاط، أو عقد يترك مسؤولية التأخير بلا حسم. لذلك، يبدأ القرار الاستثماري السليم بفحص العلاقة بين الترخيص والحوافز والالتزامات التعاقدية، وتحديد أثرها في كلفة المشروع وموعد تشغيله وقابليته للتمويل.

يشكل قانون البيئة الاستثمارية رقم (21) لسنة 2022 ونظام تنظيم البيئة الاستثمارية رقم (7) لسنة 2023 وتعديلاته محوراً أساسياً في الإطار الاستثماري الأردني. غير أن تقييم المشروع يتطلب قراءتهما مع تشريعات الشركات والضرائب والعمل والبيئة والتشريعات القطاعية. فلكل مشروع خريطة قانونية تحدد شكل تأسيسه، وحدود الملكية الأجنبية إن وجدت، وحقوق استخدام الأرض، والموافقات اللازمة، وشروط الانتفاع بالحوافز واستمرارها.

تظهر أهمية هذه الخريطة قبل شراء الأرض أو استيراد المعدات أو توقيع عقود طويلة الأجل. فتسجيل الشركة لا يحسم صلاحية الموقع للنشاط، والموافقة الأولية قد تظل مرتبطة بشروط تسبق التشغيل. لذلك، ينبغي ترتيب الالتزامات بحسب مراحل المشروع، وصياغة شروط تعاقدية تعالج تعذر الترخيص أو تأخره، وتحدد مصير الدفعات وحقوق الإنهاء أو تمديد المدة.

لو أن مستثمراً استأجر موقعاً واشترى معدات، ثم تبين أن التشغيل يتطلب تعديلات في الموقع أو موافقة إضافية. عندها تتراكم كلفة الإيجار والتمويل قبل بدء الإيرادات. ويمكن تقليل هذه المخاطرة بفحص قانوني مسبق وربط الالتزامات المالية الأساسية بتحقق الموافقات الحاسمة، مع تحديد مسؤولية كل طرف عن استيفائها.

من هنا، أقترح استحداث إفادة رسمية مسبقة بمتطلبات المشروع، تصدر بعد تنسيق الجهات المختصة، وتبين التراخيص والرسوم والشروط وتسلسل الإجراءات. وينبغي تنظيم حجيتها ومدة صلاحيتها، وأثر اعتماد المستثمر عليها، وحالات تعديلها عند تغير البيانات أو التشريعات. فالمعلومة الرسمية تصبح أداة للتخطيط حين يكون أثرها القانوني واضحاً.

كما أقترح ضبط مدد البت في طلبات الترخيص المكتملة، وتحديد نقطة بدء احتسابها، وحصر أسباب وقفها، وإلزام الجهة المختصة بطلب النواقص بصورة مجمعة وتسبيب الرفض. ويمكن دراسة الموافقة الحكمية لأنشطة منخفضة المخاطر يحددها التشريع بدقة، مع استثناء الموافقات المرتبطة بالصحة والسلامة والبيئة، وإقرار مسار سريع للتظلم من التأخير.

إجرائياً، يحتاج المستثمر إلى ملف إلكتروني موحد يوضح حالة كل موافقة، والجهة المسؤولة، والمدة المتبقية، وسبب التعطل. ويجب أن يستند التنسيق إلى صلاحيات محددة وآلية لحسم اختلاف الجهات، مع نشر مؤشرات الإنجاز وتوحيد مستوى الخدمة في المحافظات. فوضوح المسؤولية الإدارية يتيح المتابعة والمساءلة، ويحد من تفاوت المعاملة.

في الحوافز، ينبغي التمييز بين أهلية المشروع للحصول عليها وشروط الاحتفاظ بها. وأقترح قراراً موحداً يحدد المزايا ومدتها والتزامات المستفيد، وأثر تغيير النشاط أو التصرف بالموجودات أو الإخلال بالشروط. كما يفيد تنظيم تفسير رسمي مكتوب يمكن الاعتماد عليه، ووضع قواعد متناسبة لاسترداد المزايا عند الإخلال، تراعي جسامته وتتيح التصويب والتظلم.

يجب أن ترتبط الحوافز بمعايير معلنة، منها التشغيل والتدريب والقيمة المضافة المحلية والتنمية في المناطق الأقل حظاً. ويحتاج المستثمر إلى معرفة طريقة قياس هذه المعايير منذ البداية، بينما تحتاج الدولة إلى تقييم نتائجها، حتى تحقق كلفة الإعفاءات منفعة قابلة للتحقق، ضمن منافسة عادلة بين المشروعات.

أما الاستقرار التشريعي، فيقتضي دراسة حماية تتناسب مع حجم المشروع وطبيعة الضرر، وإقرار فترات انتقالية معقولة للتغييرات التي ترتب أعباء جوهرية. وينبغي التمييز بين الأثر المالي للتغيير على مشروع قائم وضرورة تطوير قواعد حماية العاملين والبيئة والصحة العامة. ويمكن معالجة هذا التوازن بتقييم الأثر والتشاور المسبق وتحديد قواعد الانتقال، بما يمنح المستثمر قدرة أفضل على التخطيط ويحفظ صلاحيات الدولة.

في مشروعات الطاقة، تتركز العناية القانونية في شروط الترخيص والربط وشراء الطاقة، وتوافق مواعيدها مع عقود التمويل والتنفيذ. وفي الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تبرز مسؤولية توفير الأرض والتراخيص، ومخاطر الطلب وتغير القانون، وآليات التعويض والإنهاء. وأقترح نماذج استرشادية ومصفوفات لتوزيع المخاطر، مع تقييم الالتزامات المالية العامة وضبط معايير جودة الخدمة واستمراريتها وعدالة الوصول إليها.

تكتمل هذه المنظومة بمسار متخصص للتظلمات الاستثمارية، بمدد محددة وقرارات مسببة، يحفظ حق التقاضي. أما في العقود، فيجب ضبط شروط تسوية النزاعات وتحديد نطاق التحكيم حيث يكون جائزاً ومتفقاً عليه، وقواعده ومقره ولغته وآلية تنفيذ الحكم. فوسيلة الحماية تحتاج إلى صياغة تناسب أطراف الصفقة وطبيعة التزاماتها.

قبل الالتزام المالي، يحتاج المستثمر إلى إجابات موثقة: هل النشاط والموقع مستوفيان للمتطلبات؟ ما الموافقات ومواعيدها؟ ما شروط استمرار الحوافز؟ من يتحمل مخاطر التأخير والتغيير؟ وكيف تنفذ الحقوق عند النزاع؟ هذه الإجابات تصل القانون بدراسة الجدوى، وتكشف مبكراً ما يستدعي تعديل الصفقة أو إعادة تقدير كلفتها.

تعزيز الاستثمار في الأردن يتطلب قواعد واضحة، وإجراءات منضبطة، وعقوداً متوازنة، وحوافز تقاس بنتائجها. ويظهر نجاح هذا الإطار في مشروعات تستمر، وفرص عمل مستقرة، وتنمية تصل إلى المحافظات، مع حماية المنافسة والبيئة والمال العام. فاليقين القانوني يخفض مخاطر الاستثمار، ويمنح رأس المال أساساً للالتزام طويل الأجل.

مدار الساعة ـ