أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

البرق في سماء الأردن.. إنذار يستدعي الجاهزية لا مجرد الدهشة


أ.د محمد الفرجات

البرق في سماء الأردن.. إنذار يستدعي الجاهزية لا مجرد الدهشة

مدار الساعة ـ

ما شهدته أجواء الأردن خلال العاصفة المطرية يومي 10 و11 تشرين الأول 2026، من كثافة ملحوظة في ومضات البرق وتكرارها وشدتها، يستحق أكثر من مجرد المراقبة والتعليق على جمال المشهد أو غرابته. فحين تترافق العواصف الرعدية مع حوادث من قبيل إصابة مركبة في الجفر واحتراق نخلة في العقبة، وفق ما جرى تداوله، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلينا هي أن الجاهزية لحماية الأرواح يجب أن تسبق وقوع الكارثة، لا أن تبدأ بعدها.

البرق ظاهرة طبيعية معروفة، لكنه ليس حدثاً عابراً يمكن الاستهانة به؛ فالصاعقة قادرة على إزهاق الأرواح، وإشعال الحرائق، وإلحاق أضرار بالمباني والمنشآت وشبكات الكهرباء والاتصالات. والخطر لا يقتصر على المناطق التي يهطل فيها المطر بغزارة، إذ قد تضرب الصواعق أماكن بعيدة عن مركز الهطول، ما يجعل التجمع في الساحات المكشوفة والحقول والملاعب ومواقف المركبات والأماكن المرتفعة أمراً يستدعي الحذر الشديد أثناء العواصف الرعدية.

أطفال المدارس وطلبتها في مقدمة من يجب حمايتهم. فمن غير المقبول أن تبقى الساحات المدرسية والملاعب المكشوفة أماكن لتجمع الطلبة في أثناء نشاط البرق والرعد، أو أن تستمر الأنشطة الخارجية والرحلات المدرسية دون تقدير للمخاطر الجوية. المطلوب تعليمات واضحة للمدارس، وإجراءات فورية عند سماع الرعد أو توقع العواصف الرعدية، تضمن نقل الطلبة إلى مبانٍ آمنة، وعدم السماح لهم بالانتظار أو التجمع تحت الأشجار أو قرب الأسوار المعدنية والأعمدة والمرافق المكشوفة.

وتتجاوز المسؤولية المدارس إلى البلديات والجامعات والجهات المنظمة للفعاليات الرياضية والسياحية، وإلى المؤسسات التي تستقبل المواطنين في الساحات العامة والمواقع المفتوحة. فالتوعية هنا ليست ترفاً، بل جزء من منظومة حماية مدنية ينبغي أن يعرف فيها المواطن ما الذي يفعله، وأين يلجأ، ومتى يوقف نشاطه الخارجي.

ومن الضروري كذلك مراجعة واقع مانعات الصواعق وأنظمة الحماية والتأريض في المدارس والمستشفيات والمباني الحكومية والمنشآت الحيوية ومحطات الكهرباء والاتصالات والمواقع الصناعية والتخزينية، مع إعطاء الأولوية للمرافق الأكثر تعرضاً للخطر. ولا يكفي تركيب مانعة صواعق في مبنى ثم افتراض أنه أصبح محمياً؛ إذ تتطلب الحماية تقييماً هندسياً للمخاطر، وتصميماً مناسباً، وتأريضاً سليماً، وحماية من الارتفاعات المفاجئة في الجهد الكهربائي، وفحوصاً وصيانة دورية تنفذها جهات مختصة.

كما ينبغي تعزيز الرصد الجوي والإنذار المبكر، وربط التنبيهات بإجراءات عملية تصل إلى المدارس والمرافق العامة والمواطنين، عبر الرسائل الهاتفية والمنصات الرسمية ووسائل الإعلام. فالمعلومة التي تصل في الوقت المناسب قد تنقذ حياة، والتحذير الذي لا يقترن بتصرف واضح يبقى ناقص الأثر.

أما على المستوى المجتمعي، فيجب ترسيخ قواعد السلامة الأساسية: الاحتماء داخل مبنى آمن أو مركبة مغلقة ذات سقف معدني، والابتعاد عن الأشجار المنفردة والأماكن المرتفعة والمياه المكشوفة والأجسام المعدنية، وعدم العودة إلى النشاط الخارجي إلا بعد مرور 30 دقيقة على الأقل من آخر سماع للرعد. فالاحتماء تحت شجرة أو الوقوف عند مدخل مكشوف ليسا بديلين آمنين عن الاحتماء داخل مبنى مناسب.

هل يرتبط ما نشهده بالتغير المناخي؟

إن تغير المناخ يزيد من احتمالات بعض الظواهر الجوية المتطرفة، وقد يؤثر في ظروف نشوء العواصف الرعدية وشدتها وتوزعها. لكن من الناحية العلمية، لا يمكن الجزم بأن عاصفة بعينها أو زيادة البرق خلال يومين محددين هي نتيجة مباشرة للتغير المناخي، من دون بيانات رصد وتحليل علمي يقارن هذه الحالة بالسجلات المناخية طويلة الأمد. ومع ذلك، فإن عدم القدرة على إرجاع حادثة بعينها إلى سبب مناخي محدد لا يعفينا من الاستعداد للمخاطر التي قد تتكرر أو تتفاقم في عالم يشهد تغيرات مناخية متسارعة.

الأردن، بما فيه من مناطق صحراوية وجبلية وأودية ومدن ساحلية، يحتاج إلى مقاربة وطنية متكاملة للتعامل مع المخاطر الجوية؛ مقاربة لا تقتصر على السيول والأمطار الغزيرة، بل تشمل البرق والصواعق والرياح الشديدة والحرارة والجفاف، وتجمع بين الرصد العلمي والتخطيط الهندسي والتوعية المجتمعية والاستجابة السريعة.

إن ما حدث يجب أن يكون مناسبة لمراجعة جاهزيتنا، وتحديد المواقع الأكثر عرضة للصواعق، وفحص وسائل الحماية في المرافق العامة، وتحديث تعليمات السلامة المدرسية، وإجراء تدريبات عملية على الاستجابة للعواصف الرعدية.

فلا نريد أن تتحول الصاعقة إلى مأساة حتى نتحرك، ولا أن يصبح سقوط الضحايا شرطاً لإعادة النظر في إجراءات السلامة. إن حماية الأرواح مسؤولية تبدأ بالعلم، وتترجم إلى تخطيط واستثمار ووعي، وتكتمل بثقافة مجتمعية تدرك أن احترام الطبيعة يبدأ بفهم مخاطرها والاستعداد لها.

البرق قد يكون ومضة في السماء، لكن الاستعداد له يجب أن يكون حاضراً في مؤسساتنا وقراراتنا وسلوكنا اليومي.

مدار الساعة ـ