في بدايات حياتي العملية في أواخر سبعينيات القرن الماضي ، عملتُ في المملكة العربية السعودية خمس سنوات، ، حين كان يعيش ويعمل فيها مئات الآلاف من الأشقاء اليمنيين. وخلال تلك السنوات، لم أسمع يومًا من أحدهم حديثًا عن يمني سني وآخر شيعي، أو يمني حوثي وآخر منتمٍ إلى تيار مختلف، بل كانت الأخوّة والجيرة والعمل المشترك هي العنوان الأبرز للعلاقات بين الناس. ولعل استحضار تلك التجربة اليوم يذكّرنا بما طرأ على المشهد اليمني من تحولات وانقسامات، ويجعلنا أكثر إلحاحًا في البحث عن طريق يعيد لليمن استقراره، وللعلاقات بين الشعبين الشقيقين السعودي واليمني صفاءها ومتانتها.
تظل القضية اليمنية من أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة، نظرًا لتداخل أبعادها الداخلية والعربية والإقليمية والدولية، وما تراكم فيها من أزمات وصراعات منذ عام 2011. وأمام هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم: ما الحل؟في البداية، لا بد من التأكيد أن أمن المملكة العربية السعودية وسيادتها وسلامة أراضيها ثوابت لا تقبل المساومة، وأن من حقها اتخاذ كل ما يلزم للدفاع عن أمنها ومصالحها في مواجهة التهديدات والاعتداءات.ومع ذلك، فإن حماية الأمن الوطني لا تتعارض مع البحث عن حلول سياسية ودبلوماسية، بل قد تتكامل معها. فمتى نضجت الظروف الميدانية، ولو جزئيًا، يصبح من الضروري إعادة تقييم المقاربة السعودية تجاه الملف اليمني، بالتنسيق مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والاستفادة من علاقات الدول الشقيقة ذات التأثير الإقليمي، وفي مقدمتها تركيا وباكستان.وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة قد تتطلب التفكير خارج الأطر التقليدية، والبحث عن تفاهمات سياسية مرحلية تستند إلى التجارب السابقة، وتقوم على التزامات متبادلة وضمانات واضحة، بما يسهم في خفض التصعيد وحماية أمن المملكة، ويمهد لتسوية أكثر استدامة، دون التفريط في الثوابت أو المصالح الاستراتيجية.فالدبلوماسية ليست بديلًا عن القوة، بل أداة مكملة لها، كما أن التفاهمات المرحلية لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية على المدى البعيد.إنني على ثقة من أن أصحاب القرار في المملكة العربية السعودية ، وبما عرف عنهم من حكمة سياسية ودبلوماسية ، يدركون حجم التحديات، وما تتطلبه من حزم ومرونة في اختيار الوسائل. فالقضية اليمنية ليست ملفًا عابرًا، بل مسألة ترتبط بأمن المملكة واستقرار المنطقة ومستقبل اليمن.فهل آن الأوان لمقاربة جديدة تجمع بين قوة الموقف ومرونة الدبلوماسية، وتفتح الطريق نحو حل يحفظ أمن المملكة ويسهم في إنهاء الصراع؟قد لا يكون الطريق سهلًا، لكن استمرار البحث عن حلول واقعية ومستدامة يظل ضرورة استراتيجية، مهما طال الزمن وتعقدت الظروف.السعودية واليمن: من ذاكرة الأخوّة إلى البحث عن الحل
د. عادل الطويسي
وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأردني الأسبق
السعودية واليمن: من ذاكرة الأخوّة إلى البحث عن الحل
د. عادل الطويسي
وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأردني الأسبق
وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأردني الأسبق
مدار الساعة ـ