سألت الذكاء الاصطناعي سؤالا أعرف إجابته مسبقا، حيث استفسرت منه إذا ما كان يعتقد أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تؤدي فعليا إلى خدمة واشنطن من حيث النتيجة.
أريد أن أنقل هنا إجابة الذكاء الاصطناعي، ثم أناقشها، إذ قال حرفيا: "إن العلاقات والتفاعلات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط تعد من أعقد الملفات السياسية، وهناك وجهات نظر وتحليلات إستراتيجية متعددة ومتناقضة، وهناك عدة مقاربات في هذا الإطار، يجب الوقوف عندها وتحليلها بشكل عميق وتفصيلي.المقاربة الأولى "التخادم والتلاقي غير المباشر"؛ حيث يرى أصحاب هذا الطرح أن هناك نوعاً من "التخادم النفعي" أو تبادل المصالح غير المباشر بين الطرفين، وبحسب هذه الرؤية، تساهم التدخلات الإيرانية عبر أذرعها العسكرية في إضعاف الدول العربية المستقرة وتفتيت نسيجها الاجتماعي، مما يوفر للولايات المتحدة والقوى الغربية الذريعة المستمرة للتدخل العسكري، وبيع الأسلحة، وإبقاء المنطقة تحت وطأة الحاجة للحماية الخارجية، وقد تؤدي أي مصالحة بين الأميركيين والإيرانيين إلى تقاسم المنطقة والنفوذ فيها ضمن اتفاق.المقاربة الثانية "الصراع والمواجهة الحقيقية"؛ ويرى هذا الاتجاه أن العلاقة بين واشنطن وطهران هي علاقة صراع نفوذ حقيقي وجوهري وليست تنسيقاً، ووفقاً لهذا المنظور، تسعى إيران إلى بناء "محور مقاومة" للتمدد والهيمنة الإقليمية وإخراج القوات الأميركية من المنطقة، بينما تحاول أميركا تحجيم هذا النفوذ وحماية حلفائها ومصالحها الإستراتيجية، مما يجعل الطرفين في حالة تصادم مستمر تدفع ثمنه شعوب المنطقة ودولها، خصوصا إذا نشبت حرب كبرى قد تحرق كل المنطقة العربية وتعيد صياغة مستقبلها، لصالح واشنطن.المقاربة الثالثة "تنافس المشاريع على حساب العرب"؛ ويعتبر هذا التحليل أن الشرق العربي يقع ضحية لمشاريع إقليمية ودولية متنافسة؛ الأميركي، والإيراني، والإسرائيلي، ورغم اختلاف الأيديولوجيات والأهداف بين هذه المشاريع، فإنها تلتقي جميعاً في نقطة واحدة، وهي أن جغرافية الدول العربية ومقدراتها وثرواتها وشعوبها هي الساحة الأساسية لتصفية الحسابات وبسط النفوذ، مما يؤدي في النهاية إلى زعزعة استقرار المنطقة العربية".هذه ثلاث إجابات للذكاء الاصطناعي، لكنها فرصة هنا للوصول إلى الاستخلاص من كل المقاربات، لأن الخلاصة هنا واحدة، إذ عبر المقاربات الثلاث، ستدفع المنطقة العربية الثمن على صعيد هويتها، والجغرافيا السياسية، والثروات، ومستقبلها، وهذا هو العنصر المشترك بين هذه المقاربات، خصوصا أننا نلاحظ اليوم أنه لا وجود لكتلة عربية وازنة لها موقف محدد مما يجري، ولا نرى سوى التعبيرات السياسية لتحديد الموقف، بل إن الأدهى والأمر أن دول العالم العربي موزعة من حيث المقاربات، على أكثر من محور، ولا تلتقي أصلا في مقاربة محددة، حيث إن أغلب الدول باتت أمام أزمات فردية على المستوى الأمني في جوارها أو قرب حدودها.هذا يعني، ودون سوداوية، أن المستقبل في العالم العربي سيكون مظلما، وستعاني الأجيال المقبلة من الظروف الاقتصادية، وكلفة انهيار الدول، وضعف التعليم، وتأثيرات المواجهات والحروب عليه، وسيعني من جهة أخرى خروج المنطقة العربية في توقيت معين من أجندة الاهتمام الدولي بالمنطقة، والذي ينحصر فعليا بالإسلام والرغبة بتحجيمه كهوية وكمرجعية ثقافية محركة وجامعة وتفتيت البنية الشعبية الداعمة له، وبالنفط الذي باتت له بدائل في دول أخرى، ولن يبقى إلى ما لا نهاية محركا لشهوات الدول تجاه هذه المنطقة.ما لم يستيقظ العالم العربي ويعيد تشكيل هويته ويعزز مركزيته، سيذهب نهبا وسط كل هذه المقاربات التي تحدث إلينا عنها الذكاء الاصطناعي، الذي يكاد أن يصيح ويقول أيضا إننا سنكون بعد قليل مجرد فرق حسابات، ما دام النظام القومي العربي مفتتا، وتابعا لمراكز أخرى، ولا يدرك كلفة هذه المقاربات عليه، وفيه من يدرك لكنه اختار الانحياز إلى هنا أو هناك.