أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هل يواجه الأردن مخاطر العقيدة 'الإسرائيلية' الجديدة أم يدير تداعياتها؟


راكان السعايدة
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق

هل يواجه الأردن مخاطر العقيدة 'الإسرائيلية' الجديدة أم يدير تداعياتها؟

راكان السعايدة
راكان السعايدة
نقيب الصحفيين الأردنيين السابق
مدار الساعة ـ

هل قرأت مراكز صنع القرار في الأردن دراسة رئيس معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تامير هايمان عن العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة، وإن قال إنها لم تُعلن أو تُقر رسمياً؟ الجواب: ربما.

وإذا كانوا قد قرأوها، فهل أدخلوها في حساباتهم السياسية والأمنية والعسكرية وفي مفاصل بنية المملكة الداخلية الحساسة؟ الجواب: لا أدري.

هايمان لا يستشرف المستقبل وإنما يقرأ واقعاً قائماً؛ فهو يرى أن "إسرائيل" تطبق مبادىء استراتيجية جديدة من دون إعلان رسمي، وتترجمها إلى سياسات وقرارات وإجراءات فعلية على الأرض، وبخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلّين وجنوبي سوريا ولبنان.

يكشف هايمان في دراسته "مفهوم الأمن القومي الجديد" بعد 7 أكتوبر.. تغيير جذري أم تعزيز للهوية الإسرائيلية؟" أن هذا المفهوم بات ملموساً في السياسة الأمنية الإسرائيلية، وأن "إسرائيل" باتت توجَّه بمفهوم أمني جديد.

وهو يؤكد أن هذا المفهوم لم يُصَغ في وثيقة منشورة للجمهور، ولم يُعرَّف بشكل مُلزِم داخل المؤسسة الأمنية، لكنه يوجِّه عملية صنع القرار ويملي السلوك الأمني.

مبادئ المفهوم الجديد، كما يراها هايمان، "ظاهرة للعيان"، ويمكن فهمها من خلال السياسات المطبقة، وتقوم على:

أولاً: "أولوية الهوية اليهودية على الديمقراطية"، بما يضمن بقاء "إسرائيل" دولة يهودية، ولو على حساب قيمها الديمقراطية.

ثانياً: "السلام كوسيلة لا كغاية"، إذ لا ينظر إلى اتفاقات السلام باعتبارها غاية لتحقيق الأمن، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أخرى.

ثالثاً: "إنكار الوجود المستقل للدول العربية، على أساس أن معظم الدول العربية كيانات هشة تفتقر إلى هوية وطنية راسخة، وترى في زعزعة استقرارها فرصة لتعزيز المصالح "الإسرائيلية".

رابعاً: "الحرب كحالة أساسية"، باعتبارها ضرورة للأمن القومي، مع تفضيل حرب وقائية تتيح تحقيق إنجازات استراتيجية منذ لحظة اندلاعها.

خامساً: "الاعتماد على الذات والتحرر من التبعية للولايات المتحدة"، عبر بناء أمن قومي إسرائيلي مستقل، انطلاقاً من تقدير أن الولايات المتحدة قوة آخذة في التراجع وقد تتخلى عن "إسرائيل" مستقبلاً.

الدراسة لا تقتصر على هذه النقاط الخمس؛ إذ يؤكد هايمان أيضاً أولوية المبادرة والهجوم على الدفاع، وإنشاء مناطق "دفاع أمامي" عند تعذر شن هجوم مضاد، والاعتماد على الاستيطان بوصفه عنصراً أمنياً أساسياً، بإنشاء مستوطنات ومراكز استيطانية في مناطق الاحتكاك في الضفة الغربية، وفي المناطق الأمنية في سوريا ولبنان وغزة.

ويخلص هايمان إلى أن مفهوم الأمن الجديد، وإن لم يرسخ في وثيقة رسمية أو يُعتمد عبر إجراءات منظمة، فإنه يوجِّه جوانب رئيسية من السياسة الأمنية الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023.

ماذا يعني كل ذلك للأردن؟

الكثير.. ليس أقله أن الاستراتيجية "الإسرائيلية" الجديدة، وإن قدمها معدها في صورة دراسة، فإنه يشير في أكثر من موضع إلى أن جوانب منها تطبق فعلياً.

وهذا، بتقديري، واضح في ما تفعله "إسرائيل" في الضفة والقدس وغزة، وفي جنوبي كل من سوريا ولبنان. وواقعياً، لا يخرج ما تفعله عن التفسير الذي تطرحه الدراسة، وبخاصة لجهة إنشاء ما يسمى مناطق أمنية ودفاعية متقدمة.

بالتالي، فإن الأردن يواجه بيئة أمنية محيطة جديدة، تدفع بمخاطر لها أكلاف مركبة، في الضفة والقدس وجنوب سوريا، بما قد يفرضه ذلك من ضغوط على أمننا الوطني وحدودنا واستقرارنا الداخلي. وهي مخاطر وأكلاف أشار إليها جلالة الملك في خطابه القوي والاستثنائي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أخيراً.

وهو ما يفرض علينا في الأردن، جدياً، إلى جانب رصد التحولات المحيطة، أن نربط بين الاستعداد لمخاطرها الخارجية وتحصين الجبهة الداخلية.

فهذه المخاطر ليست افتراضية أو بعيدة، بل تشمل احتمالات ضم الضفة الغربية، وتهجير الفلسطينيين باتجاه الأردن، وتغيير واقع القدس، وفرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة على حدودنا الغربية والشمالية، فضلاً عن الضغوط المتعلقة بالمياه والطاقة، وما قد ينجم عن زعزعة استقرار دول الجوار من تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية.

أي أن هذه المخاطر لا تتوقف عند حدودنا الخارجية، بل ربما تمتد إلى بنية الدولة واستقرارها الداخلي، ما يجعل الاستعداد لها مسألة أمن وطني بمفهومه الشامل، لا استجابات متفرقة لتطورات الإقليم ومتغيراته.

وليست البيئة الأمنية المحيطة وحدها ما يجلب المخاطر على الأردن، بل أيضاً ما سبق تأكيده، وعاد هايمان ليؤكده مجدداً، بشأن تراجع فرص إقامة الدولة الفلسطينية بفعل السياسات "الإسرائيلية"، وحاجة هذا الكيان إلى دول عربية ضعيفة وهشة، وفق منظوره وتقييمه لواقع الدول العربية وظروفها التي تتيح إنتاج أنواع من الفوضى داخلها.

ولا أظن أن الأردن بمنأى عن هذا المنظور، بل ربما يكون على رأس قائمة الدول المستهدفة لأسباب عدة، أبرزها القرب المكاني من "إسرائيل" والارتباط الجذري بالقضية الفلسطينية، من مختلف الوجوه، وما ينتجه ذلك من مسؤوليات وتداعيات على القضية الفلسطينية وعلى الأردن نفسه.

ولا ننسى هنا أن العقيدة الصهيونية لا تنظر إلى الأردن بوصفه حدوداً مع الكيان، فخيارا "الوطن البديل"، و"إسرائيل الكبرى" ما يزالان متداولين بقوة وبخاصة في أوساط اليمين واليمين المتطرف الذي يحكم "إسرائيل" والمؤيَّد بقوة من أغلبية المجتمع "الإسرائيلي".

أي أن الأردن مستهدف وجودياً، على الأقل كخيار للتخلص من إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وكما أسلفنا، السلام ليس غاية في التفكير "الإسرائيلي" وإنما وسيلة؛ أي أن اتفاقية السلام الموقعة منذ عام 1994، لن تكون عائقاً أمام الاستراتيجية التوسعية الاستيطانية للكيان الصهيوني.

بصراحة ووضوح، حتى لو كان ما طرحه هايمان نظرياً في دراسته، وهو الذي يرأس أحد أهم مراكز التفكير "الإسرائيلي"، فإن الواقع يشير إلى أن جوانب منه تطبق عملياً، وخطرها على الأردن لا يبدأ من محيطيه البعيد والقريب، بل قد يمتد إلى الداخل، إذا تفاعلت الضغوط الإقليمية مع ظروف البيئة الداخلية.

فهذا العدو لا يعمل، كما العرب، بسياسة رد الفعل، بل يهيء البيئات في الساحات التي تشكل تهديداً له، ويجهزها للوقت الذي يقرر فيه تفعيلها، وتنشيط أدواته فيها بما يخدم سياساته وأهدافه.

ما العمل؟

لن أكرر ما قلته في مرات سابقة عديدة في جانب الاستعدادات الضرورية، لكن ما سأقوله هو أن الوقت يمر، وأن التأخير في بناء استراتيجية اشتباك مع ما تغيّره "إسرائيل" في الضفة والقدس وجنوب سوريا، وما يترتب عليه من تداعيات على حدودنا الشمالية والغربية، يستجلب مخاطر استراتيجية لا يجوز التقليل منها أو تبسيطها، فهي تمس جوهر الأمن الوطني الأردني.

في المحصلة، ليس السؤال: هل قرأنا ما بسطه هايمان أمامنا؟ على ضرورته، إلّا أن السؤال الأهم: ما الذي غيّرناه في بيئتنا الداخلية تحسباً لكل خطر يحتمل أن تدفعه متغيرات الإقليم إلينا؟

هنا، لا جواب محدداً عن السؤال، لكن يكفي أن ننظر إلى الواقع لنعرف إن كنا قد غيّرنا شيئاً، أم أن ما نفعله ليس أكثر من إدارة لتداعيات الأزمات.

مدار الساعة ـ