مع اقتراب موعد انتخابات رئاسة مجلس النواب في الثاني من الشهر المقبل، يتجاوز المشهد النيابي مسألة التنافس على الأسماء إلى سؤال أعمق: هل تنسجم الترتيبات المطروحة مع مسار التحديث السياسي، أم تعيد إنتاج التوازنات التقليدية ذاتها بغطاء جديد؟
يرى المدافعون عن التوافق أنه يضمن الانسجام البرلماني، ويوفر الوقت للتعامل مع ملفات تشريعية مهمة، فضلاً عن أن التجربة الحزبية الحديثة لا تزال في بداياتها وتحتاج إلى الاستقرار. وهي اعتبارات تستحق الأخذ بها، لكن نجاح المجلس لا يرتبط بالانسجام وحده، بل بقدرته على التعبير عن إرادة نوابه وتوسيع مشاركتهم في صناعة القرار. إن التحديث السياسي لا يكتمل بمجرد تمثيل الأحزاب تحت القبة، بل بمنحها فرصة حقيقية لتولي المسؤولية، بما يمكّن الرأي العام من تقييم تجاربها على أساس الأداء والإنجاز. ولا يعني ذلك الانتقاص من حق أي كتلة في الترشح، أو التشكيك في كفاءة من سبق لهم تولّي الرئاسة، وإنما التأكيد أن المواقع القيادية ينبغي ألا تبقى حكراً على اتجاه سياسي واحد. فالكفاءة تُقاس بالقدرة على الإدارة وتحقيق النتائج، كما أن تداول المسؤولية يتيح ظهور تجارب جديدة ويمنح الحياة الحزبية مضموناً عملياً. ومن الناحية الديمقراطية، يبقى انتخاب النواب لمكتبهم الدائم ورؤساء اللجان وأعضائها بحرية، وفق الإجراءات المعتمدة، هو الأصل. ومع ذلك، قد تفرض طبيعة المرحلة تفاهمات تساعد على تحقيق الانسجام وتوحيد الجهود، خصوصاً في ظل الملفات التشريعية المهمة التي تنتظر المجلس، والمهم أن تكون هذه التفاهمات واضحة وشفافة، وألا تتحول إلى ترتيبات مغلقة تحسم الخيارات قبل أن يمارس النواب حقهم في الاختيار. ويمكن تعزيز هذه الممارسة من خلال إعلان المرشحين وبرامجهم قبل موعد الانتخابات بوقت كافٍ، وإتاحة المجال أمامهم لعرض رؤاهم، وتوضيح أسس التفاهمات السياسية، إلى جانب توسيع مشاركة الكتل المختلفة في رئاسة اللجان النيابية وفق معايير معلنة وموضوعية؛ فالمطلوب ليس توزيع المناصب لمجرد التوزيع، بل ضمان تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالكفاءة والقدرة على الإنجاز. إن الاختبار الحقيقي للتحديث السياسي يبدأ من رئاسة مجلس النواب، ولا يتحقق بإعادة إنتاج المعادلات ذاتها وتدوير الأسماء نفسها، بل بفتح المجال أمام مختلف الكتل لتحمّل المسؤولية وإثبات جدارتها. فالتوافق ليس تفويضاً مفتوحاً لاحتكار المواقع، ولا مبرراً لمصادرة حق النواب في الاختيار. وإذا كانت الدولة تراهن على حياة حزبية جديدة، فلا بد أن تنعكس هذه الرؤية داخل المجلس نفسه عبر تداول المسؤولية واحترام الإرادة النيابية، أما حسم المواقع مسبقاً فلا يصنع تحديثاً سياسياً، بل يُبقيه شعاراً مؤجلاً.التوافق لا يعني احتكار القرار: رئاسة النواب اختبار للتحديث السياسي
وليد الهباهبة
كاتب وصحفي أردني
كاتب وصحفي أردني
مدار الساعة ـ