أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن في مجلس حقوق الإنسان 2027–2029.. بين الحضور الدبلوماسي واستحقاقات الالتزام الحقوقي


د. يوسف فايز الدلابيح
باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي – مختص في حقوق الإنسان

الأردن في مجلس حقوق الإنسان 2027–2029.. بين الحضور الدبلوماسي واستحقاقات الالتزام الحقوقي

د. يوسف فايز الدلابيح
د. يوسف فايز الدلابيح
باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي – مختص في حقوق الإنسان
مدار الساعة ـ

يمثل انتخاب المملكة الأردنية الهاشمية لعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للفترة 2027–2029 محطة مهمة في مسار الدبلوماسية الأردنية، وفرصة لتعزيز حضور المملكة في الجهود الدولية الرامية إلى حماية حقوق الإنسان وترسيخ احترام القانون الدولي. ولا تقتصر أهمية هذا الاستحقاق على دلالاته السياسية والدبلوماسية، بل تمتد إلى المسؤوليات التي تترتب على العضوية، وما تتيحه من مجال للإسهام في معالجة التحديات الحقوقية وتعزيز التعاون الدولي.

ومن منظور التاريخ السياسي، يأتي هذا الحضور امتدادًا لنهج دبلوماسي أردني يقوم على الحوار، وبناء الشراكات، والسعي إلى احتواء الأزمات ودعم الاستقرار. وقد اكتسب هذا النهج أهمية متزايدة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، وما تفرضه من ضرورة التوفيق بين متطلبات الأمن والسلام واحترام حقوق الإنسان، في إطار من الالتزام بالقواعد القانونية الدولية.

وتبرز القضية الفلسطينية في مقدمة الملفات التي تعكس أهمية هذا الدور، لما تنطوي عليه من أبعاد سياسية وإنسانية وقانونية. فقد أكد الأردن باستمرار رفض التهجير القسري للشعب الفلسطيني ومحاولات ضم الأراضي الفلسطينية، ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، إلى جانب التمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.

وتستند أهمية هذه المواقف إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي، من بينها حظر النقل القسري للسكان من الأراضي المحتلة وفق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، وعدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة وفق ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي. ومن هنا، تبرز أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الأردنية للدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتعزيز حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم المساعي الرامية إلى تحقيق سلام عادل وشامل.

وفي سياق متصل، تمثل المبادرات الأردنية المعنية بالأمن والسلام، ومن بينها اجتماعات العقبة، مجالًا لتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف. ومع اتساع استخدام الفضاء الرقمي في نشر الأفكار المتطرفة والتحريض على الكراهية والعنف، تزداد الحاجة إلى مقاربات تجمع بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق والحريات الأساسية.

فمكافحة التطرف مسؤولية مشتركة تتطلب الوقاية والتعاون وتبادل الخبرات، مع مراعاة الضمانات المقررة في القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويشمل ذلك حماية حرية الرأي والتعبير، وضمان ألا تؤدي التدابير المتخذة لمواجهة التهديدات الأمنية إلى فرض قيود غير مبررة على الحريات. ويقتضي هذا التوازن التمييز بين التعبير المشروع عن الرأي والتحريض الذي تنطبق عليه القيود القانونية المعترف بها دوليًا، وفق شروط المشروعية والضرورة والتناسب.

ولا تقتصر مسؤولية الأردن في مجلس حقوق الإنسان على المشاركة في المناقشات الدولية، بل تشمل أيضًا مواصلة تطوير المنظومة الوطنية لحقوق الإنسان، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة، وتوسيع فرص المشاركة العامة. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية مواصلة مراجعة التشريعات الناظمة للحريات، والنظر في مدى اتساقها مع الالتزامات الدولية للمملكة، بما يعزز الثقة بالمؤسسات ويرسخ المساواة أمام القانون.

كما يشكل التحديث السياسي، وتعزيز مشاركة الشباب والمرأة، وتوسيع المشاركة الحزبية والمؤسسية، جوانب مهمة في مسار التطوير الوطني. فحقوق الإنسان لا تقتصر على الحريات المدنية والسياسية، بل تشمل أيضًا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي مقدمتها الحق في التعليم والعمل وتكافؤ الفرص. ويتطلب تعزيز هذه الحقوق تكامل الجهود بين المؤسسات الرسمية والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بما يسهم في توسيع الفرص وتحسين جودة الحياة.

وتمنح عضوية مجلس حقوق الإنسان المملكة فرصة للمشاركة الفاعلة في النقاشات الدولية المتعلقة بالحقوق والحريات، وتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون مع آليات الأمم المتحدة. كما تتيح المجال للاستفادة من التجارب الدولية في تطوير السياسات والممارسات الوطنية، ومتابعة التوصيات ذات الصلة، وتحويل الالتزامات الحقوقية إلى خطوات عملية قابلة للتقييم.

ولا تعني هذه المسؤوليات أن الالتزامات الدولية والاحتياجات الوطنية مساران متعارضان؛ فتعزيز سيادة القانون، وصون الكرامة الإنسانية، وتوسيع المشاركة، وترسيخ ضمانات العدالة، تمثل جميعها عناصر داعمة للاستقرار والثقة بالمؤسسات. وكلما تعزز التكامل بين السياسة الخارجية والمنظومة الحقوقية الوطنية، ازدادت قدرة الأردن على الإسهام بصورة فاعلة ومتوازنة في الجهود الدولية الرامية إلى حماية حقوق الإنسان.

إن عضوية الأردن في مجلس حقوق الإنسان للفترة 2027–2029 تمثل فرصة لتعزيز الحضور الدبلوماسي والحقوقي للمملكة، وتأكيد أهمية الحلول السياسية القائمة على احترام القانون الدولي، والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ودعم الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والسلام.

وتبقى القيمة الأعمق لهذا الاستحقاق مرتبطة بالقدرة على توظيفه في تعزيز التعاون الدولي، ومواصلة تطوير السياسات الوطنية، وترسيخ مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية وسيادة القانون. فالمصداقية الحقوقية تتعزز عندما تلتقي المواقف الدبلوماسية مع الممارسات المؤسسية، وتتحول المبادئ والالتزامات إلى نتائج ملموسة تسهم في حماية حقوق الإنسان وصونها.

مدار الساعة ـ