أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المطر ليس مفاجأة… فهل نقيس جاهزيتنا؟


أ.د. نورس شطناوي

المطر ليس مفاجأة… فهل نقيس جاهزيتنا؟

مدار الساعة ـ

في الأردن، ننتظر الغيث بقلوب تعرف قيمة القطرة. نفرح للأرض والسدود والمزارعين، ونستبشر بموسم يحمل الخير. ومن حقنا أن تكتمل هذه الفرحة؛ أن يصل أبناؤنا إلى مدارسهم بأمان، وأن يفتح التاجر محله مطمئناً، وأن يعود الموظف إلى منزله دون أن تتحول رحلته إلى اختبار في اختيار الطريق الأقل غرقاً.

ومع اقتراب الشتاء، تعود عبارة (رفع الجاهزية) إلى الأخبار. وهي عبارة وراءها جهود وكوادر وآليات وأعمال تستحق التقدير. وقد أعلنت أمانة عمّان، ضمن استعداداتها للموسم، تحديد مواقع تصريف الأمطار وترقيمها، وتوثيق المناهل التي جرى تأهيلها وتنظيفها على خرائط نظم المعلومات الجغرافية. خطوة مهمة تفتح الباب لسؤال يستحق أن يصبح جزءاً من نقاشنا العام: كيف نعرف أن هذه الجاهزية حققت غايتها؟

المواطن لا يستطيع قياس استعداد مدينته بعدد الاجتماعات التي عُقدت، ولا بعدد الآليات المصطفة في صورة. يستطيع قياسه حين يمر من الشارع الذي كان يقلقه، فيجده آمناً، وحين يرسل بلاغاً فيعرف من استلمه وماذا جرى بشأنه. هناك تصبح الجاهزية تجربة يعيشها، وتتحول الثقة إلى نتيجة يمكن رؤيتها.

هندسياً، تبدأ المسألة بسؤال بسيط: أين سيذهب الماء؟ علينا أن نتتبع رحلته من أعلى الحي إلى نقطة التصريف النهائية. فقد ننظف فتحة بعناية، ثم تصل المياه إلى مقطع أضيق يعجز عن تمريرها. وقد نعالج تجمعاً في شارع، فتنتقل المشكلة إلى شارع أدنى منه. الماء لا يعرف الحدود الإدارية، ولا يتوقف عند نهاية عطاء، ولا يقرأ اللوحة التي تعلن انتهاء المشروع.

ومن هنا، أقترح أن تكون لكل بلدية (بطاقة جاهزية) معلنة ومفهومة، تُظهر المواقع الحرجة، وما أُنجز فيها، وما بقي قيد المعالجة، وتاريخ آخر فحص ميداني، والجهة المسؤولة عن التدخل. يستطيع المواطن أن يعرف وضع منطقته، ويستطيع المسؤول أن يتابع التقدم، وتصبح عبارة (تمت المعالجة) مرتبطة بدليل، وتاريخ، ومسؤولية واضحة.

وتكتسب هذه البطاقة قيمتها من نوع الأسئلة التي تجيب عنها: هل اختُبرت كفاءة الموقع بعد تنظيفه؟ هل أُزيلت مخلفات الأعمال القريبة التي قد تعود إلى إغلاقه؟ هل تتوافر خطة لتحويل السير عند الضرورة؟ وهل وصلت التحذيرات إلى السكان المعرضين للخطر في الوقت المناسب؟ كل إجابة عملية تمنح الإعلان عن الاستعداد وزناً أكبر.

وللعدالة مكان في هذا الامتحان أيضاً. فالأولوية ينبغي أن تتبع مستوى الخطر على الناس، بما يشمل الأحياء الأقل ظهوراً في الأخبار، والبيوت المنخفضة، ومداخل المدارس، والطرق التي لا يملك مستخدموها بديلاً قريباً. ويمكن للجامعات أن تسهم، بالشراكة مع البلديات، في تحليل التضاريس والجريان السطحي ومراجعة خرائط المخاطر، وتحويل المعرفة المتخصصة إلى قرارات تخدم الشارع والحي.

ومن الإنصاف أن ندرك أن لأي شبكة تصريف حدوداً تصميمية، وأن الهطول الشديد قد يتجاوز قدرتها. وهذا يجعل معرفة حدودها جزءاً أساسياً من الاستعداد. أين نتوقع التجاوز؟ ومتى نغلق الطريق احترازياً؟ وكيف نحمي الناس قبل وصول المياه؟ أما وصف المطر بأنه (استثنائي)، فيحتاج إلى بيانات وتحليل يوضحان ما حدث وما ينبغي تغييره.

وللمواطن مسؤوليته في حماية مجاري المياه من النفايات، واحترام التحذيرات، والإبلاغ المبكر عن الانسدادات. وتبقى للمؤسسات مسؤوليتها في الصيانة، والتخطيط، والرقابة، والاستجابة. وضوح هذه الأدوار يساعد الجميع على أدائها، ويمنع ضياع المشكلة بين تبادل اللوم وانتظار المنخفض التالي.

نريد للكوادر التي تعمل تحت المطر أن تجد خلفها تخطيطاً يخفف عنها حجم الطوارئ، وللأموال التي تُنفق أن يظهر أثرها في حماية البيوت والطرق والأرزاق. وبعد كل حالة مطرية، نحتاج مراجعة صريحة: ما الذي نجح؟ وأين تعثرنا؟ وماذا أصلحنا قبل الحالة التالية؟

المطر ليس مفاجأة؛ والمفاجأة التي ينبغي أن تنتهي هي أن نكتشف، عند كل شتاء، أن موقع الخلل معروف… وأن معالجته ما زالت تنتظر.

مدار الساعة ـ