أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحق في الصحة وتداعيات الخلافات التأمينية


أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة

الحق في الصحة وتداعيات الخلافات التأمينية

أ. د. ليث كمال نصراوين
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

تصاعد خلال الأيام الماضية الخلاف بين نقابة الأطباء الأردنية وعدد من الشركات العاملة في قطاع التأمين الصحي، على خلفية ادعاءات بعدم التزام هذه الجهات بالاتفاقيات المتعلقة بالأجور الطبية، الأمر الذي دفع النقابة إلى إعلان وقف التعامل معها، وهو القرار الذي أثار تساؤلات قانونية حول حقوق أطراف النزاع والتزاماتهم، وانعكاساته على المواطنين المشمولين بالتأمين الصحي.

إن هذا الخلاف، الذي لا يعد الأول من نوعه، لا تقتصر آثاره على المطالبات المالية بين الأطباء والجهات التأمينية وتحديد المسؤولية التعاقدية، بل تمتد إلى المؤمن عليهم الذين سددوا أقساط التأمين مقابل الحصول على الخدمات الطبية المتفق عليها. فهؤلاء هم الطرف الأكثر تأثرا بالنزاع، رغم أنهم ليسوا طرفا فيه ولا يملكون حسمه، مما يقتضي عدم تحميلهم تبعاته الصحية والمالية.

وتبرز أهمية المسألة بالنظر إلى المكانة القانونية للحق في الصحة وارتباطه بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية. فقد نصت المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 على حق كل شخص في مستوى معيشي يكفل الصحة والرفاه، بما في ذلك الرعاية الطبية. كما أقرت المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 حق الإنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة الجسمية والعقلية.

وعلى الصعيد الوطني، ورغم عدم وجود نص صريح في الدستور الأردني يقرر الحق في الصحة باعتباره حقا مستقلا، فإن المبادئ التي تضمنتها المادة (6)، وبخاصة تكافؤ الفرص وكفالة الطمأنينة وحماية الفئات الأكثر حاجة للرعاية، تشكل مرتكزا دستوريا عاما يدعم حماية الأفراد من آثار النزاعات المتعلقة بالخدمات الصحية، لا سيما غير القادرين على تحمل نفقات العلاج مباشرة.

ومن الناحية القانونية، يحق لنقابة الأطباء الدفاع عن المصالح المهنية والمادية لمنتسبيها والمطالبة باحترام الاتفاقيات المبرمة، في حين تتمتع شركات التأمين بحقوق تعاقدية يتعين احترامها، وتترتب عليها واجبات تختلف بحسب طبيعة العقود التي ترتبط بها. وعلى هذا الأساس، يتعين على هذه الجهات الوفاء بتعهداتها المالية تجاه مقدمي الخدمات الطبية، بما يضمن استمرار التغطية التأمينية ويحمي حقوق المؤمن عليهم.

أما بشأن الإجراءات المتخذة للتعامل مع النزاع، فقد سمحت النقابة بمعالجة المرضى مقابل دفع الأتعاب نقدا والحصول على إيصالات بها، غير أن هذا الإجراء، حتى مع إمكانية استرداد المبالغ لاحقا وفقا لشروط التأمين، قد لا يحقق الغاية الأساسية من التغطية التأمينية المتمثلة في تخفيف الأعباء المالية عند المرض. كما أن استثناء الحالات الطارئة والعناية الحثيثة، رغم أهميته، قد لا يوفر الحماية الكافية لأصحاب الأمراض المزمنة ومن يحتاجون إلى علاج منتظم لا يحتمل التأخير.

وأمام هذه التداعيات، ومع أن القضاء يبقى الجهة المختصة بالفصل في المنازعات، فإن طبيعة الخلاف تستدعي إعطاء الأولوية للتسوية التوافقية العاجلة؛ فالإجراءات القضائية، وإن كانت تكفل حماية الحقوق، قد لا توفر الحلول الفورية التي تتطلبها الخدمات الصحية لما قد تستغرقه من وقت. ومن هنا، تبرز أهمية معالجة النزاع وديا، دون المساس بحق أي طرف في اللجوء إلى المحاكم المختصة.

ولتحقيق هذه الغاية، تبرز أهمية تدخل وزارة الصحة والبنك المركزي الأردني، كل ضمن اختصاصاته القانونية، لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى تسوية عادلة تحفظ الحقوق المهنية للأطباء والمصالح المشروعة لشركات التأمين، وتصون حقوق المؤمن عليهم. كما تبرز الحاجة إلى ترتيبات مؤقتة تضمن استمرار الخدمات الطبية طوال فترة النزاع، دون تحميل المرضى أعباء تتجاوز التزاماتهم التعاقدية.

إن نجاح معالجة هذا الخلاف لا يقاس بالمكاسب التي يحققها أي طرف، وإنما بمدى التوصل إلى تسوية متوازنة تحفظ الحقوق المهنية والتعاقدية وتحول دون تحميل المواطنين تبعات النزاع. فالحقوق المالية يمكن حسمها بالاتفاق أو القضاء، أما الأضرار الصحية الناجمة عن تأخير العلاج فقد يتعذر تداركها، وهو ما يقتضي أن تبقى صحة الإنسان وسلامته أولوية عند تسوية أي نزاع مهني أو تعاقدي.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ