أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
الكرك التي جمعت مسلميها ومسيحييها على

الكرك التي جمعت مسلميها ومسيحييها على المحبة والأخوّة.. لن يفرّقها غدر الجبناء.


عبدالله موسى الطراونة

الكرك التي جمعت مسلميها ومسيحييها على المحبة والأخوّة.. لن يفرّقها غدر الجبناء.

مدار الساعة ـ

بكل مشاعر الغضب والاستنكار، وبأشد عبارات الإدانة والرفض، يستنكر الأردنيون جميعًا هذه الجريمة النكراء التي هزّت الأردن وفاجأت أبناءه، في وطن عُرف بالأمن والأمان، وترسخت في مجتمعه قيم الأخوة والتكافل والتراحم، وكانت النخوة والمروءة والشهامة من أبرز سمات أبنائه.

وتزداد فداحة هذا الاعتداء حين يقع في مدينة الكرك، هذه المدينة التي لم تكن يومًا مجرد مكان على خارطة الوطن، بل كانت وستبقى عنوانًا للأصالة والكرامة والتاريخ المشترك، ونموذجًا راسخًا للتآخي بين أبناء العشائر، مسلمين ومسيحيين، الذين عاشوا على امتداد الأجيال عائلة واحدة، يتقاسمون الأفراح والأتراح، ويقفون إلى جانب بعضهم بعضًا في الشدائد والمحن.

أيُّ عارٍ أكبر من الاعتداء على أناس في مراسم جنازة؟ وأيُّ غدرٍ أشد من استباحة حرمة الحزن والاعتداء على أشخاص اجتمعوا لتوديع فقيدهم ومواساة أهله؟ وأين المروءة والشهامة في عمل يستهدف أناسًا في لحظة إنسانية مؤلمة كهذه؟

إن للإنسان مكانةً وحرمةً لدى أخيه الإنسان، بصرف النظر عن دينه أو جنسيته أو انتمائه، وإن للمآتم والجنازات حرمةً إنسانية وأخلاقية لا يجوز المساس بها. فهذه مناسبات يجتمع فيها الناس لمواساة أهل الفقيد، والتخفيف من مصابهم، والتعبير عن التضامن الإنساني في أصعب اللحظات.

إن الاعتداء على أشخاص في مثل هذه الظروف ليس مجرد سلوك مرفوض، بل هو فعل يصدم الضمير الإنساني، ويتنافى مع تعاليم الأديان والقيم الأخلاقية ومبادئ الشهامة والمروءة التي تربّى عليها الأردنيون. ومن العار أن تتحول لحظات الحزن والعزاء إلى ساحة للاعتداء والغدر، بدلًا من أن تكون مناسبة للتراحم والتكافل واحترام مشاعر الآخرين.

ولعل أخطر ما يثير القلق في مثل هذه الحوادث هو احتمال استغلالها للإساءة إلى النسيج الوطني، أو إثارة النعرات الدينية والعشائرية بين أبناء الوطن الواحد. وهنا أقولها بكل وضوح: الكرك لم تكن يومًا ساحة للصراع بين مسلم ومسيحي، ولن تكون كذلك؛ فالكرك عائلة واحدة، وأبناؤها شركاء في الأرض والتاريخ والمصير.

لقد أثبتت الكرك، عبر تاريخها الطويل، أن روابط الأخوة أعمق من كل محاولات التفريق، وأن المصاب الذي يقع في بيت مسيحي يجد صداه في بيوت المسلمين، كما أن أفراح المسلمين هي أفراح إخوانهم المسيحيين. وهذه ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، بل حقيقة راسخة في وجدان أبناء الكرك، وفي ضمير الأردنيين من شمال الوطن إلى جنوبه.

وفي هذا السياق، نستحضر كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني، التي تؤكد صلابة الأردنيين ووحدتهم في مواجهة الإرهاب والغدر، إذ قال:

««سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات. ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا. جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر. أحر التعازي لذوي الشهداء وأمنياتنا بالشفاء للمصابين».»

كما أكد جلالته:

««دم الأردني غالي، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذه البلد».»

إن هذه الكلمات تجسد موقفًا حازمًا في مواجهة الإرهاب والاعتداء على أمن الوطن، وتؤكد أن وحدة الأردنيين ليست شعارًا عابرًا، بل هي أساس الاستقرار وركيزة حماية المجتمع من الفتن والانقسامات. فلا رصاص الغدر يستطيع أن يشق صف الأردنيين، ولا جريمة مهما بلغت خطورتها يمكن أن تمحو تاريخًا من الأخوة والتآخي والعيش المشترك.

ومن المهم التأكيد أن مسؤولية أي جريمة تقع على مرتكبيها، ولا يجوز تحميل عشيرة بأكملها أو مجتمع كامل تبعات أفعال أفراد. كما أن كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات من اختصاص الجهات المختصة، التي ننتظر منها كشف ملابسات الحادثة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، بما يحقق العدالة ويحفظ حقوق المتضررين ويصون أمن المجتمع.

لقد فاجأنا هذا العمل الجبان، الذي وقع في قرية حمود الوادعة في الكرك، بما يحمله من اعتداء على حرمة الجنازة ومشاعر أهل الفقيد وكل من حضر لمواساتهم. وليس من السهل على أبناء الكرك والأردنيين عمومًا تقبّل وقوع مثل هذا الاعتداء في مجتمع عُرف بأصالته وتماسكه وحرص أبنائه على صون الجيرة والأخوة والكرامة الإنسانية.

وفي هذه اللحظة المؤلمة، أتوجه إلى أهلنا المسيحيين، وإلى جميع أبناء الكرك والأردن، بالدعوة إلى ضبط النفس والتحلي بالحكمة، وعدم السماح للغضب المشروع بأن يتحول إلى ردود فعل قد يستغلها من يسعى إلى زعزعة أمن المجتمع وإضعاف وحدته. إن المطالبة بالعدالة حق، ومحاسبة الجناة واجب، لكن حماية السلم الأهلي مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتق الجميع.

إن الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الأصيل، أكبر من أن تهزه جريمة، وأقوى من أن تنال من وحدته محاولات التفرقة. وستبقى الكرك، كما عرفناها دائمًا، مدينة الأخوة والكرامة والمواقف المشرفة؛ مدينة لا يسأل فيها الإنسان عن دين أخيه حين يحتاج إليه، بل يمد يده إليه لأنه أخوه وشريكه في الوطن والمصير.

رحم الله المتوفين، وأسكنهم فسيح جناته، وشفى المصابين، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحمى الله الكرك وأهلها، وحفظ الأردن آمنًا مستقرًا في ظل قيادته الهاشمية.

ستبقى الكرك عائلة واحدة، وسيبقى المسلم والمسيحي أخوين في وطن واحد، ولن نسمح لجريمة أن تمحو تاريخًا من المحبة والتآخي والعيش المشترك.

الأردن أولًا.. ووحدتنا الوطنية خط أحمر.

مدار الساعة ـ