أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عندما يُظلم الإنترنت بأيدي أصحابه.. لغة برمجة خفية تجبر حكومات أوروبا على الإغلاق الذاتي

مدار الساعة,أخبار التكنولوجيا، التقنيات,الذكاء الاصطناعي
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -في صباح عادي، يحاول مواطن تسجيل الدخول إلى خدمة حكومية، أو مريض فتح موقع مستشفى، أو قارئ الوصول إلى صفحة على الإنترنت، لكنه يجدها فجأة غير متاحة.

فالانطباع الأول بسيط: هجوم إلكتروني جديد نجح في إسقاط المواقع، لكن ما حدث هذا الأسبوع كان أكثر غرابة، فكثير من المواقع لم يسقطها القراصنة، إنما أغلقها أصحابها بأنفسهم خوفاً مما قد يفعله القراصنة إن بقيت مفتوحة.

في 21 أكتوبر، تعطلت أو أُوقفت احترازياً خدمات ومواقع حكومية في دول أوروبية بينها هولندا وفنلندا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا، ووصل التأثير إلى مواقع مستشفيات ومدارس ومؤسسات أخرى.

وفي هولندا، كان من بين المتأثرين نظام الهوية الرقمية الحكومي «ديجي دي» وبوابات حكومية أخرى. وفي فنلندا، أوقف مركز تقنية المعلومات الحكومي خدمات عامة عبر الإنترنت.

ولم يكن توقف هذه المواقع في حد ذاته دليلاً على اختراقها، بل كان في حالات كثيرة قراراً دفاعياً إلى حين تأمين الأنظمة.

السبب كان موجوداً في مكان لن يراه المستخدم العادي أبداً:«بي إتش بي»، وهي لغة برمجة تعمل خلف الكواليس في جزء هائل من الإنترنت.

ويمكن تبسيط دورها بتخيل مطعم، أنت تجلس أمام الطاولة وتطلب وجبتك، بينما يعمل المطبخ بعيداً عن عينيك لإعداد ما طلبته، المتصفح هو الطاولة التي تراها، و«بي إتش بي» جزء من المطبخ الذي يجمع المعلومات ويتعامل مع قواعد البيانات قبل أن يرسل الصفحة النهائية إليك.

وتشير تقديرات إلى أن «بي إتش بي» تعمل خلف نحو ثلاثة أرباع المواقع التي يمكن تحديد لغة البرمجة المستخدمة فيها.

المشكلة أن الباحثين اكتشفوا ثغرتين بالغتي الخطورة في هذه اللغة، حصلتا على تقييم 9.2 من 10 على مقياس شدة الثغرات.

وبحسب المركز الوطني للأمن السيبراني في بريطانيا، يمكن للثغرات في ظروف معينة السماح بتنفيذ أوامر برمجية عن بعد من دون تسجيل الدخول، لذلك كانت النصيحة للجهات التي لا تستطيع تثبيت التحديث الأمني بسرعة مباشرة: إذا تعذر تأمين النظام، يمكن التفكير في إخراجه مؤقتاً من الإنترنت.

وهكذا حدث موقف يبدو للوهلة الأولى متناقضاً: أفضل وسيلة لحماية بعض الخدمات الرقمية كانت إيقافها رقمياً.

ساعدت أدوات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الثغرات وإظهار مدى خطورتها.

وذكرت «سكاي نيوز» أن وكلاء ذكاء اصطناعي شاركوا في كشف المشكلة، وأن «أوبن إيه آي» قالت إنها عملت خلال الشهرين السابقين مع باحثين لمعالجة الخلل ومساعدة المطورين على الوصول إلى الإصلاحات. لكنها نبهت أيضاً إلى المفارقة نفسها: الأدوات التي تساعد المدافعين في اكتشاف العيوب يمكن أن تساعد المهاجمين كذلك.

في الماضي، كان البحث عن ثغرة مخفية داخل آلاف أو ملايين الأسطر البرمجية يحتاج إلى وقت ومعرفة بشرية متخصصة.

ولا يلغي الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى الخبراء، لكنه يسمح بأتمتة أجزاء متزايدة من البحث والتحليل، والنتيجة هي سباق جديد: من يجد الباب المفتوح أولاً، المدافع أم المهاجم؟

وقد حدث التصعيد بسرعة في أزمة «بي إتش بي»، فتقول «كاسبرسكي»، نقلاً عن بيانات للهجمات، إن آلاف محاولات الاستغلال رُصدت قبل الإعلان الرسمي عن الثغرات، ثم ارتفع العدد إلى عشرات الآلاف خلال أول 45 دقيقة بعد الكشف، وإلى مئات الآلاف بعد ساعتين، قبل تسجيل ملايين المحاولات بحلول اليوم التالي.

وهذه الأرقام تشرح لماذا فضلت الحكومات والمؤسسات الضغط على زر الإيقاف بدلاً من المجازفة.

لكن الأزمة الحالية ليست حادثة منفصلة بقدر ما هي نسخة حديثة من مشكلة قديمة، فالإنترنت الذي يبدو للمستخدم مساحة شديدة التعقيد والحداثة يعتمد في الواقع على طبقات من البرمجيات والمكونات المفتوحة المصدر التي تطورت على مدى عقود، ويعتمد عدد هائل من الشركات والمؤسسات عليها في الوقت نفسه.

ولهذا، عندما تظهر ثغرة داخل مكون واسع الانتشار، لا تبقى المشكلة محصورة في شركة صنعت منتجاً واحداً، فقد أشار المركز الوطني للأمن السيبراني الهولندي إلى أن «بي إتش بي» لا توجد فقط خلف مواقع الإنترنت، إنما يمكن أن تكون مدمجة أيضاً في أجهزة الشبكات وواجهات الإدارة ومنتجات أخرى، أي أن البحث عن الأنظمة المتأثرة قد يكون أكبر من مجرد فحص قائمة مواقع.

وحجم المشكلة الأمنية العالمية آخذ في الاتساع كذلك، فوفق قاعدة بيانات «سيكيوريتي فَلنَرابيليتي»، كان قد نُشر حتى 24 أكتوبر 85,839 ثغرة خلال 2026، بمتوسط 289 ثغرة جديدة يومياً، بينها أكثر من 9,500 ثغرة مصنفة حرجة.

وهنا تعود قصة «بي إتش بي» إلى صورتها الأكبر، فالمشكلة ليست أن الإنترنت على وشك الانهيار، ولا أن كل موقع معرض لأن يسقط غداً، بل أن حياتنا أصبحت تعتمد على بنية رقمية شديدة الترابط، بحيث يمكن لعيب صغير في طبقة لا يعرف معظم الناس حتى اسمها أن يضطر حكومات ومستشفيات ومؤسسات إلى اتخاذ قرارات خلال ساعات.

والذكاء الاصطناعي يجعل هذه الحقيقة أكثر إلحاحاً، فهو يمنح الخبراء أدوات أسرع لاكتشاف العيوب قبل أن تتحول إلى كوارث، لكنه في الوقت نفسه يقلل الكلفة والوقت اللازمين للبحث عن نقاط الضعف.


مدار الساعة ـ