أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين يحدد القائد الهدف.. تُغَيِّب التصنيفات.. قراءة استراتيجية في مضامين التغريدة الملكية

مدار الساعة,أخبار الأردن,اخبار الاردن,الملك عبدالله الثاني
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب الباشا عماد البطوش - إن المصاب جلل، والخسارة فادحة، والفاجعة التي أصابت الكرك ليست جرحاً في جسد مدينة أو مكون من مكونات المجتمع، بل جرح في وجدان الوطن بأكمله. فقد امتدت يد الإرهاب لتغتال أرواحاً بريئة، وتستهدف أمن الأردن وتماسك نسيجه الوطني. رحم الله الشهداء، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل.

وفي خضم هذا المصاب الوطني، حيث تتعاظم مشاعر الحزن والغضب، تبرز أهمية القيادة الاستراتيجية في ضبط اتجاه الاستجابة، وتحديد طبيعة التهديد، ومنع الخصم من توظيف تداعيات الجريمة لتحقيق غايات تتجاوز فعلها المباشر. ومن هذا المنظور، جاءت تغريدة جلالة الملك عبدالله الثاني عقب الحدث مباشره حاملة رسائل تتجاوز الإدانة بضرورتها إلى توجيه البوصلة نحو الهدف الحقيقي، وتحصين الجبهة الداخلية من محاولات الفرز والانقسام.

الدلالة الاستراتيجية الأولى تتمثل في دقة تحديد الهدف وتأطير التهديد. فقد قال جلالته: «سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات». والملاحظ في هذا التوصيف أنه حدد الكرك موضعاً للاستهداف، دون استدعاء أي تصنيف ديني أو قبلي أو طائفي للضحايا ( رحمهم الله) وهي صياغة يمكن قراءتها بوصفها تأكيداً على أن المستهدفين أردنيون، شركاء أصيلون في بناء الدولة وصون هويتها، وأن الاعتداء عليهم لا يُختزل في خصوصية انتمائهم، بل يُفهم في إطاره الوطني الأشمل.

فالكرك ليست مجرد حيز جغرافي شهد اعتداءً، وإنما جزء من العمق التاريخي والاجتماعي للدولة الأردنية، ومكون أصيل في نسيجها الوطني. وعليه، فإن استهداف أي من أبنائها يمثل اعتداءً على أمن الوطن ووحدة مجتمعه، وليس على فئة معزولة عن محيطها الوطني.

وتبرز هنا أهمية التحكم بالإطار التفسيري لحجم التهديد ؛ فالإرهاب لا يسعى إلى إيقاع الخسائر المباشرة فحسب، بل يعمل على توظيف آثارها لإحداث تصدعات داخل المجتمعات. وحين تنتقل بوصلة النقاش من الفعل الإرهابي ومرتكبيه إلى الفئات المستهدفه ، يصبح المجال العام عرضة لاستقطاب قد يخدم الأهداف غير المباشرة للمعتدين.

ومن هنا، فإن الرسالة ينبغي أن تكون حاسمة: لا يجوز إعادة تعريف الجريمة وفق الفئه او المكان المستهدف بل تحديد طبيعة التهديد وإطاره الوطني. فالمسؤولية لا تقف عند حدود نقل الوقائع، بل تشمل إدارة السردية العامة بمهنية، ومنع تحويل التنوع المجتمعي إلى خطوط فرز أو انقسام. ولعل هذه الدلالة تحديداً يجب التركيز عليها في قراءاتنا الاعلاميه لأهميتها في حماية الوعي الجمعي من الانحراف عن جوهر المواجهة.

أما الدلالة الاستراتيجية الثانية، فتتصل بضرورة التمييز بين احتواء التهديد ومعالجة مصادر إنتاجه. فالإرهاب لا دين له، ولا تمثل جرائمه عقيدة أو مجتمعاً، حتى وإن اتخذ مرتكبوه من التأويلات الدينية المنحرفة أو الأيديولوجيات المتطرفة غطاءً لتبرير العنف. وهو ظاهرة مركبة تتفاعل في نشأتها عوامل فكرية ونفسية واجتماعية وسياسية، لا يمكن فهمها أو مواجهتها بمنطق التعميم أو التفسير الأحادي.

ومن منظور الأمن الوطني الشامل، فإن الردع الأمني وإنفاذ القانون يمثلان ضرورة لحماية الدولة والمجتمع، لكن تحقيق الأمن المستدام يستدعي الانتقال من الاستجابة للتهديد بعد وقوعه إلى استباق تشكله. ويتطلب ذلك بناء مقاربة استراتيجية تستند إلى تحليل الأسباب الجذرية، ودراسة بيئات الاستقطاب والتجنيد، ورصد مؤشرات التطرف، وتطوير تدخلات وقائية وعلاجية قابلة للقياس والتقييم.

فالنجاح التكتيكي يتحقق بتحييد الخطر القائم، أما النجاح الاستراتيجي فيُقاس بالقدرة على تقليص احتمالات تجدده. وهذه معادلة تستوجب تكامل الأدوات الأمنية والفكرية والتعليمية والإعلامية والاجتماعية، ضمن منظومة وطنية تعالج مسببات التهديد، ولا تكتفي باحتواء تداعياته.

وفي هذا السياق، فإن لقول جلالته: «ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا» دلالة تتصل بمفهوم مركز الثقل الاستراتيجي؛ فتماسك الجبهة الداخلية يمثل أحد أهم مصادر قوة الدولة ومناعتها. والإرهاب، حين يعجز عن تحقيق غاياته المباشرة، قد يراهن على تداعيات الجريمة لإضعاف الثقة وإثارة الانقسام، وهو ما يجعل صون الوحدة الوطنية جزءاً من استراتيجية المواجهة.

لقد حدد القائد اتجاه البوصلة، ووضع المواجهة في إطارها الوطني: الإرهاب هو الخصم، والأردن بكل مكوناته هو المستهدف، ووحدة الأردنيين مركز الثقل الذي لا يجوز المساس به. ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي أن نحافظ على وضوح الهدف ومعالجة جذور التهديد؛ فحسم المواجهة لا يتحقق بإسقاط الجناة وحدهم، بل بإسقاط البيئة التي تعيد إنتاجهم.

رحم الله شهداء الوطن ومصاب أهلنا في حمود اوجع القلب وأدماه.. حفظ الله الأردن قيادة وشعبا وابقى الأردن رسالة سلام .. وبارك الله بسواعد جيشه ومؤسساته الامنيه والمدنيه وكل صاحب نقطة عرق سالت على ترابه ، وسلمت الأيادي التي طالت المعتدين من جحورهم .. بوركتم


مدار الساعة ـ