أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

إلى التنويريين: لا تهزموا الاعتدال وأنتم تواجهون التطرف


فهد الحسبان

إلى التنويريين: لا تهزموا الاعتدال وأنتم تواجهون التطرف

مدار الساعة ـ

مواجهة التطرف ليست مجرد معركة أفكار، بل هي عملية معقدة لإدارة التحولات داخل المجتمع. ولذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على طبيعة الأفكار التي نريد مواجهتها، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة الأدوات التي نستخدمها، والآثار التي قد تنتج عنها، بما فيها تلك التي لم تكن ضمن أهدافنا أو حساباتنا.

من هنا تبرز ضرورة تبني مقاربة قائمة على «حساسية الصراع»، بوصفها منهجًا لفهم السياقات الاجتماعية، وقراءة التفاعلات بين الخطاب والهويات والانتماءات، وتقدير احتمالات الأثر الارتدادي لأي تدخل في المجال العام. فالمجتمعات ليست كتلًا متجانسة يمكن مخاطبتها بمنطق واحد، والخطاب الذي لا يميز بين التطرف والبيئة الاجتماعية التي ينمو فيها، قد ينتهي إلى توسيع دائرة الاستقطاب بدل احتوائها.

ثمة فارق جوهري بين تفكيك الفكر المتطرف وبين إنتاج شعور جمعي بالاستهداف. فعندما تتحول المواجهة إلى تعميم أو إقصاء أو صدمة غير محسوبة، فإنها قد تنقل الخلاف من مستواه الفكري إلى مستوى الهويات والاصطفافات، وتدفع بعض المعتدلين إلى اتخاذ مواقف دفاعية، لا انطلاقًا من تبنيهم للفكر المتطرف، بل نتيجة شعورهم بأنهم أصبحوا جزءًا من دائرة الاتهام أو الاستهداف. وهنا نكون أمام مفارقة خطيرة: أن تتحول أدوات مقاومة التطرف إلى أحد العوامل التي تعيد إنتاج شروطه الاجتماعية.

ولعل بعض التجارب في منطقتنا تقدم درسًا يستحق التأمل؛ فقد تبنت دول سياسات تحديث ثقافي وعلماني امتدت إلى المناهج التعليمية، والإنتاج الدرامي، والخطاب الإعلامي، ومحاولات إعادة تشكيل المجال الاجتماعي وفق تصورات حداثية. ومع ذلك، لم يكن هذا التوجه كافيًا لمنع صعود التيارات المتطرفة، بل شهدت بعض هذه المجتمعات تحولات حادة في اتجاهات التدين والهوية والانتماء. والمفارقة هنا ليست في وجود التعليم أو الدراما أو التحديث الثقافي، بل في الاعتقاد بأن إعادة تشكيل الوعي من أعلى، أو إقصاء بعض التعبيرات الدينية من المجال العام، كفيل وحده بإنتاج مجتمع أكثر اعتدالًا.

فالوعي لا يتشكل بالمناهج والمنتجات الثقافية وحدها، وإنما يتأثر أيضًا بالعدالة الاجتماعية، والثقة بالمؤسسات، والشعور بالكرامة والانتماء، وبقدرة المجتمع على التعبير عن تناقضاته وإدارة اختلافاته. وحين تغيب هذه العناصر، قد تجد الخطابات المتطرفة فرصة لتقديم نفسها بوصفها تعبيرًا عن الهوية أو الاحتجاج أو استعادة الاعتبار، حتى لو كانت في جوهرها نقيضًا للتعددية والتسامح.

لا يعني ذلك التراجع عن المواجهة أو التساهل مع الأفكار المتطرفة، بل يعني الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق إدارة التحول المجتمعي. وهذا يتطلب الاستثمار في القوة الناعمة، وبناء الثقة، وتوسيع مساحات التفاعل والحوار، والعمل على تفكيك الحواضن الفكرية والاجتماعية للتطرف، بدل الاكتفاء بمواجهة مظاهره.

فالصدمة قد تنتج تحولات عاطفية عميقة، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تحول معرفي أو مراجعة فكرية، وقد تترك ارتدادات اجتماعية تتراكم بصمت حتى تتحول إلى استقطابات يصعب احتواؤها.

إن نجاحنا في مواجهة التطرف لا يُقاس فقط بقدرتنا على إدانة أفكاره أو عزل حامليه، بل بقدرتنا على منع انتقال المجتمع إلى حالة من الاستقطاب المضاد، والحفاظ على المساحة المشتركة التي تسمح للاختلاف بأن يبقى اختلافًا، لا أن يتحول إلى صراع هويات.

فالمسألة ليست فقط كيف نواجه التطرف، بل كيف نضمن ألا نُنتج بأدوات مواجهته تطرفًا جديدًا أو بيئة أكثر قابلية لاحتضانه.

مدار الساعة ـ