ليس العقد الاجتماعي مجرد مفهوم سياسي تتناوله الكتب والنظريات، أو اتفاقاً نظرياً ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل هو جوهر الدولة الحديثة وأساس استقرارها، والعنوان الأبرز للعلاقة التي تجمع مؤسسات الدولة بمواطنيها.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني، بوصفه خطاباً يحمل في مضامينه رسائل عميقة تتصل بتجديد هذا العقد وتعزيز ركائزه في الدولة الأردنية.فحين يؤكد جلالة الملك أن «الأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها»، فإنه يضع أصبعه على واحدة من أهم قواعد العقد الاجتماعي، وهي أن شرعية المؤسسات وقوتها تستمدان من الشعب، وأن الحياة السياسية لا تكتمل إلا بمشاركة المواطنين، واحترام إرادتهم، وصون حقهم في التعبير والمساءلة والمشاركة في صناعة القرار. وهي رسالة تتجاوز الإطار الدستوري إلى تأكيد أن المواطن ليس متلقياً لقرارات الدولة فحسب، بل شريك في بنائها وتحديد أولوياتها ومستقبلها.ولعل اللافت في الخطاب الملكي هو الربط الواضح بين الحقوق السياسية والمسؤولية الوطنية، حين أكد جلالته أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور ويحميه، وأن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول. وهنا تتجلى معادلة العقد الاجتماعي في أسمى صورها؛ فحرية التعبير حق لا يجوز التضييق عليه، لكنها في الوقت ذاته مسؤولية تحكمها المصلحة الوطنية واحترام الآخر وأدب الاختلاف، بما يجعل الحوار وسيلة للبناء لا مدخلاً للانقسام.كما حمل الخطاب الملكي رسالة مهمة إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، مفادها أن المسؤولية الوطنية لا تحتمل الانشغال بالمصالح الضيقة، وأن مجلس الأمة مطالب بأن يكون صوتاً للوطن وحارساً للمصلحة العامة ورقيباً على الأداء الحكومي، فيما تقع على الحكومة مسؤولية تحويل التوجيهات والرؤى إلى إنجازات ملموسة تنعكس على حياة المواطنين. فالعقد الاجتماعي لا يُصان بالشعارات، بل بقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها، وتحسين الخدمات، وحماية الموارد، والاستجابة لتطلعات الناس.أما البعد الأكثر عمقاً في الخطاب، فيتمثل في تأكيد جلالة الملك أن قوة الأردن تكمن في شعبه، وأن رهانه سيبقى على وعي الأردنيين وحكمتهم وإخلاصهم ووفائهم حين تشتد المحن، وهي رسالة تعيد التأكيد على أن الدولة ليست مؤسسات وأجهزة وقوانين فحسب، بل هي أيضاً مجتمع متماسك، تجمعه الهوية الوطنية والثقة والمصير المشترك، وأن حماية استقرار الوطن مسؤولية متبادلة لا يمكن أن تنهض بها جهة دون أخرى.وإذا كان العقد الاجتماعي في جوهره يقوم على الثقة والالتزام المتبادل، فإن خطاب العرش يضع الجميع أمام مسؤولياتهم؛ فالدولة مطالبة بالعدل والإنجاز وصون الحقوق، والمؤسسات مطالبة بالنزاهة والفاعلية وخدمة الصالح العام، والمواطن مطالب بالمشاركة الواعية واحترام القانون والحفاظ على وحدة المجتمع.إن الرسالة الملكية في جوهرها تتجاوز حدود اللحظة السياسية، لتؤكد أن الأردن الذي واجه التحديات بثبات وتماسك، يحتاج اليوم إلى تجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعميق المشاركة، وترسيخ العدالة، وتحويل المسؤولية العامة إلى ثقافة وممارسة ، فالعقد الاجتماعي ليس نصاً جامداً أو اتفاقاً مؤقتاً، بل عهد متجدد بين الأردنيين ودولتهم، عنوانه المواطنة المتساوية، وركيزته سيادة القانون، وهدفه بناء دولة قوية بمؤسساتها، عزيزة بشعبها، وقادرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.العقد الاجتماعي في خطاب العرش.. حين تتجدد الثقة بين الدولة والمواطن
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ