أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين يتحرك الخطر بصمت: هل يسبق الأمنُ الجريمة؟.. التهديدات الصامتة (الكامنة) للأمن الوطني الأردني


صالح الشرّاب العبادي

حين يتحرك الخطر بصمت: هل يسبق الأمنُ الجريمة؟.. التهديدات الصامتة (الكامنة) للأمن الوطني الأردني

مدار الساعة ـ

ليست كل الحوادث الأمنية مجرد وقائع تنتهي بإلقاء القبض على مرتكبها، وليست كل جريمة حدثاً معزولاً ينبغي أن نقف عند حدود إدانتها وانتظار نتائج التحقيق فيها. فبعض الحوادث، مهما بدت محدودة في نطاقها الجغرافي أو في عدد المشاركين فيها، تحمل في توقيتها وطبيعتها ودلالاتها ما يستوجب قراءة أعمق، تتجاوز الحدث المباشر إلى البيئة التي أنتجته، والظروف التي سمحت بوقوعه، والاحتمالات التي قد تترتب عليه مستقبلاً.

إن استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة، وهو يؤدي واجبه في حماية الوطن والمواطنين، جريمة إرهابية مدانة بكل المقاييس، واعتداء على رجل أمن يمثل جزءاً من منظومة حماية الدولة والمجتمع. غير أن الوفاء للشهيد لا يكون بإدانة الجريمة وحدها، بل بتحويل هذه الفاجعة إلى محطة مراجعة وتطوير، تعزز قدرة الدولة على منع تكرار مثل هذه الاعتداءات، وتحمي الإنسان الذي يقف في الميدان دفاعاً عن أمننا جميعاً.

ومن هنا، تراودني اسئلة كما القاريء والمتابع : كيف وقعت الجريمة؟ كيف نقرأ ما وراءها؟ وما طبيعة التهديدات التي ينبغي أن نستعد لها قبل أن تتحول مؤشراتها إلى وقائع دامية؟

التهديد يتغير… وأدوات المواجهة يجب أن تتطور

لقد شهدت أنماط التهديد الأمني خلال السنوات الماضية تحولات جوهرية. فلم تعد التنظيمات الإرهابية وحدها هي مصدر الخطر، ولم يعد التهديد بالضرورة مرتبطاً بوجود خلية كبيرة أو قيادة مركزية أو بنية تنظيمية واضحة.

أصبحنا أمام أنماط أكثر تعقيداً، من بينها الأفراد الذين يتبنون أفكاراً متطرفة ويتحركون بصورة منفردة، وشبكات التحريض والتجنيد عبر الفضاء الرقمي، ومحاولات التأثير في العقول وتغذية الكراهية وتبرير العنف تحت عناوين أيديولوجية أو دينية زائفة.

وهذا التحول يفرض على المؤسسات المعنية بالأمن الوطني تطوير أدواتها، ليس فقط في جمع المعلومات ومتابعة التهديدات المعروفة، وإنما في تحليل المؤشرات المبكرة، وربط الوقائع المتفرقة، وفهم السلوكيات التي قد تكشف عن انتقال شخص أو مجموعة من مرحلة التأثر بالفكر المتطرف إلى مرحلة الاستعداد للعنف.

فالخطر في بعض الأحيان لا يبدأ بعملية منظمة، بل قد يبدأ بخطاب تحريضي، أو تواصل مشبوه، أو سلوك متدرج، أو محاولة لاختبار قدرة الدولة على الاستجابة ، او شبكة متصلة موجهة أرهابية ..

بين انتهاء العقوبة واستمرار تقييم الخطورة

ومن المسائل التي تستحق نقاشاً وطنياً ومؤسسياً مسؤولاً، كيفية التعامل مع الأشخاص الذين سبق أن أدينوا في قضايا إرهابية أو متصلة بالتطرف العنيف، بعد انتهاء مدد محكومياتهم أو الإفراج عنهم وفق الأطر القانونية.

وهنا يجب أن نكون واضحين: انتهاء العقوبة لا يعني بالضرورة أن جميع عوامل الخطورة قد زالت، كما أن صدور حكم سابق لا يعني أن كل من قضى محكوميته سيعود إلى ارتكاب الجريمة. فالمسألة لا تحتمل التعميم، وإنما تتطلب تقييماً فردياً ومهنياً يستند إلى معايير قانونية وأمنية ونفسية واجتماعية واضحة.

إن المطلوب هو وجود منظومة متكاملة لإعادة التأهيل، وتقييم مدى التخلي عن الفكر العنيف، ومتابعة مؤشرات العودة إلى التحريض أو التجنيد أو التخطيط للعنف، ضمن صلاحيات القانون وضماناته، وبما يحفظ حقوق الأفراد ولا يحول السوابق القضائية إلى وصمة دائمة.

والسؤال المؤسسي الذي يستحق الإجابة هو: هل تتكامل لدينا مراحل التعامل مع هذه الحالات من لحظة التوقيف والمحاكمة، مروراً ببرامج الإصلاح والتأهيل، وصولاً إلى ما بعد الإفراج؟ وهل توجد آليات مراجعة دورية تقيس النتائج الفعلية لهذه البرامج؟

هذه أسئلة لا تستهدف مؤسسة بعينها، ولا تفترض وجود تقصير مسبق، لكنها تضع أمام الدولة ضرورة التأكد من أن حلقات المنظومة تعمل بصورة متكاملة.

الإنذار المبكر… خط الدفاع الذي يسبق الميدان

في المفهوم العسكري والأمني، لا تقاس كفاءة المنظومة بقدرتها على التعامل مع التهديد بعد وقوعه فقط، وإنما بقدرتها على اكتشافه في مراحله الأولى، وتقدير احتمالاته، واتخاذ الإجراءات المناسبة قبل تحوله إلى خطر مباشر.

وهذا ما يجعل منظومة الإنذار المبكر ضرورة وطنية، لا مجرد إجراء فني داخل مؤسسة أمنية.

إن بناء هذه المنظومة يتطلب تطوير قدرات تحليل المعلومات، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة، والاستفادة من التكنولوجيا والتحليل الرقمي، وتقييم أنماط التحريض والتجنيد، وربط المؤشرات الأمنية والقضائية ذات الصلة وفق ضوابط قانونية تحمي الخصوصية والحريات العامة.

كما يتطلب عدم التعامل مع كل مؤشر منفرد باعتباره تهديداً مؤكداً، بل إخضاعه للتحليل والتدقيق والمقارنة، لأن الأمن المحترف لا يقوم على الشك والتعميم، وإنما على المعلومة الموثوقة والتقدير الدقيق والقرار المتناسب ، وان كان الشك المؤكد في بعض الأحيان له دلالته التي يجب ان تؤخذ بالحسبان..

الأردن في محيط إقليمي مضطرب… والاستعداد ضرورة

لا يمكن قراءة الأمن الوطني الأردني بمعزل عن محيطه الجغرافي والسياسي والأمني. فالمنطقة تعيش تحولات متسارعة، وصراعات مفتوحة، وتداخلاً بين التهديدات العسكرية والأمنية والاقتصادية، إلى جانب نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة ومحاولات استغلال الفوضى الإقليمية.

وفي مثل هذه البيئة، قد تتقاطع التهديدات الخارجية مع تحديات داخلية، وقد تستغل أطراف متطرفة أو إجرامية حالة التوتر الإقليمي لإعادة تنشيط شبكاتها أو استقطاب أفراد أو اختبار قدرة المؤسسات على المواجهة.

وهنا لا أتحدث عن معلومات استخباراتية غير معلنة، ولا أزعم وجود مخطط محدد، بل أطرح تقديراً استراتيجياً عاماً مفاده أن استمرار اضطراب الإقليم يفرض على الأردن رفع مستوى اليقظة، وتحديث تقديراته للمخاطر، والاستعداد لسيناريوهات متعددة، حتى تلك التي تبدو محدودة الاحتمال.

فالمؤسسة التي تنتظر اكتمال التهديد حتى تتحرك تكون قد منحت خصمها الوقت والمبادرة، أما المؤسسة التي تستثمر في الاستباق والتحليل والجاهزية فإنها تقلل فرص المفاجأة وتحد من كلفة المواجهة.

حماية رجل الأمن جزء من حماية الأمن الوطني

ولا بد من التوقف عند مسألة لا تقل أهمية، وهي أمن رجال الأمن أنفسهم. فالعنصر الأمني الموجود في الشارع أو على الحاجز أو في موقع الواجب او على الحدود هو خط المواجهة الأول مع كثير من المخاطر غير المتوقعة.

ومن واجب المؤسسات أن تواصل تطوير التدريب الميداني، وإجراءات الحماية الشخصية، وآليات التعامل مع الاعتداءات المفاجئة، وتقييم طبيعة المخاطر في المواقع المختلفة، وتوفير المعدات والإسناد اللازمين لأفرادها.

إن حماية رجل الأمن ليست شأناً وظيفياً داخلياً، بل هي حماية لقدرة الاجهزة الأمنية على أداء واجباتها ، ومن يعتدي على رجل أمن أثناء قيامه بواجبه إنما يعتدي على حق المجتمع في الأمن والاستقرار.

ما الذي ينبغي أن نفعله الآن؟

إن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة استراتيجية شاملة، لا ردود فعل مؤقتة، ويمكن تحديد أولوياتها في خمسة مسارات:

أولاً: مراجعة منظومة التعامل مع قضايا التطرف العنيف، من التحقيق والمحاكمة إلى الإصلاح والتأهيل وما بعد الإفراج، مع تقييم فردي دوري للحالات التي تقتضي ذلك وفق القانون.

ثانياً: تعزيز قدرات الإنذار المبكر وتحليل المعلومات، وتطوير آليات التنسيق وتبادل البيانات بين الجهات المختصة، بما يمنع وجود فجوات بين المؤسسات.

رابعاً: رفع جاهزية رجال الأمن ميدانياً، وتطوير إجراءات الحماية والتدريب والاستجابة للاعتداءات المفاجئة، ومراجعة الدروس المستفادة من الحوادث دون انتظار وقوع حوادث مماثلة.

خامساً: تعزيز دور المجتمع والأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في الوقاية من التطرف، لأن الأمن لا تصنعه الأجهزة وحدها، بل تحميه أيضاً ثقافة وطنية ترفض العنف وتحصّن الأجيال من الفكر المتطرف.

لا نريد أن نكون دائماً أمام الحدث

إن الأردن يمتلك مؤسسات أمنية محترفة، وتاريخاً طويلاً في مواجهة التحديات، وقد أثبتت أجهزته الأمنية قدرتها على التعامل مع تهديدات معقدة في ظروف إقليمية بالغة الصعوبة ، لكن الاعتزاز بهذه الخبرة لا ينبغي أن يمنعنا من المراجعة والتطوير، بل يجب أن يكون دافعاً لمزيد من الجاهزية والاحتراف.

إن استشهاد العريف جواد السلايطة يجب ألا يتحول إلى خبر عابر في ذاكرة الأحداث، ولا إلى مناسبة لتبادل الاتهامات أو إطلاق الأحكام قبل اكتمال التحقيقات. بل ينبغي أن يكون مناسبة وطنية لمراجعة ما يلزم مراجعته، وتطوير ما يلزم تطويره، وسد أي ثغرة قد تكشفها التحقيقات والتقييمات المهنية.

فالتهديدات لا تعلن دائماً عن نفسها، وبعضها يتشكل بصمت، وينمو في مساحات لا تظهر في التقارير اليومية ، ولذلك فإن المسؤولية لا تقتصر على ملاحقة من ارتكب الجريمة، بل تمتد إلى فهم الظروف والمؤشرات التي قد تسبق الجريمة التالية.

نحن لا نريد مؤسسة تنتصر بعد وقوع الاعتداء فقط، بل تمتلك القدرة على استشراف الخطر ومنعه قبل وقوعه ، تجمع بين قوة القانون، وكفاءة المنتسبين ، ووعي المجتمع، وجاهزية الأجهزة.

فالأمن الوطني ليس مجرد قدرة على مواجهة الخطر عندما يظهر، بل هو القدرة على ألا نسمح له بأن يفاجئنا.

رحم الله شهيد الوطن العريف جواد علي خلف السلايطة، وحمى الأردن وقيادته وشعبه وأجهزته الأمنية، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.

خامساً: تعزيز دور المجتمع والأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في الوقاية من التطرف، لأن الأمن لا تصنعه الأجهزة وحدها، بل تحميه أيضاً ثقافة وطنية ترفض العنف وتحصّن الأجيال من الفكر المتطرف.

لا نريد أن نكون دائماً أمام الحدث

إن الأردن يمتلك مؤسسات أمنية محترفة، وتاريخاً طويلاً في مواجهة التحديات، وقد أثبتت أجهزته الأمنية قدرتها على التعامل مع تهديدات معقدة في ظروف إقليمية بالغة الصعوبة ، لكن الاعتزاز بهذه الخبرة لا ينبغي أن يمنعنا من المراجعة والتطوير، بل يجب أن يكون دافعاً لمزيد من الجاهزية والاحتراف.

إن استشهاد العريف جواد السلايطة يجب ألا يتحول إلى خبر عابر في ذاكرة الأحداث، ولا إلى مناسبة لتبادل الاتهامات أو إطلاق الأحكام قبل اكتمال التحقيقات. بل ينبغي أن يكون مناسبة وطنية لمراجعة ما يلزم مراجعته، وتطوير ما يلزم تطويره، وسد أي ثغرة قد تكشفها التحقيقات والتقييمات المهنية.

فالتهديدات لا تعلن دائماً عن نفسها، وبعضها يتشكل بصمت، وينمو في مساحات لا تظهر في التقارير اليومية ، ولذلك فإن المسؤولية لا تقتصر على ملاحقة من ارتكب الجريمة، بل تمتد إلى فهم الظروف والمؤشرات التي قد تسبق الجريمة التالية.

نحن لا نريد مؤسسة تنتصر بعد وقوع الاعتداء فقط، بل تمتلك القدرة على استشراف الخطر ومنعه قبل وقوعه ، تجمع بين قوة القانون، وكفاءة المنتسبين ، ووعي المجتمع، وجاهزية الأجهزة.

فالأمن الوطني ليس مجرد قدرة على مواجهة الخطر عندما يظهر، بل هو القدرة على ألا نسمح له بأن يفاجئنا.

رحم الله شهيد الوطن العريف جواد علي خلف السلايطة، وحمى الأردن وقيادته وشعبه وأجهزته الأمنية، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.

مدار الساعة ـ