أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

درس يستحقّ أن يبقى في ذاكرة أبنائنا


أ.د نجوى أحمد سليم خصاونة
جامعة إربد الأهلية

درس يستحقّ أن يبقى في ذاكرة أبنائنا

 أ.د  نجوى أحمد سليم خصاونة
أ.د نجوى أحمد سليم خصاونة
جامعة إربد الأهلية
مدار الساعة ـ

للشجاعة ساعةٌ تنكشف فيها معادن الرجال، وتغدو حياة الآخرين أمانةً في أعناق القادرين على حمايتها. في تلك الساعة، يتقدّم صاحب المروءة بما يحمله من إيمان بالواجب، ويمنح الموقف من ثباته ما يكسر اندفاع الخطر. ومن هذا الباب الرفيع استحقّ الملازم الثاني فراس العنانزة اعتزازنا؛ فقد اجتمعت في فعله حرارة النخوة ورجاحة التصرّف، وأعطى من شجاعته ما يصون حياة سواه، فكان أهلًا لأن يُكتب عنه بمداد الوفاء.

حين تعرّض زميله العريف جواد السلايطة للاعتداء في عمّان، سارع فراس العنانزة إلى مواجهة المعتدي، وتمكّن من السيطرة عليه رغم إصابته. وحال تدخّله دون استيلاء المعتدي على سلاح زميله أو امتداد الخطر إلى الموجودين في المكان. وفي هذه الوقائع ما يكفي لندرك جسامة الأمانة التي نهض بها، وأثر المبادرة حين تكون أرواح الناس عرضةً للأذى.

وأقرأ في سرعة تصرّفه فطنةً أدركت قيمة الوقت؛ ففي الشدائد تضيق المسافة بين معرفة الواجب والنهوض به، ويصبح للحظة التي تُدرك في أوانها أثرٌ قد يمتدّ عمرًا في حياة إنسان. إن المبادرة إلى وقف الخطر تمنح سرعة البديهة معناها الأخلاقي؛ إذ تتصل بحقّ الآخرين في النجاة، وبمسؤولية القادر على نجدتهم. ومن هنا تتّسع دلالة موقف فراس، فيغدو شاهدًا على شجاعةٍ يقظة، تعرف متى يكون الإقدام ضرورة.

أما حكمته، فأراها في ثمرة هذا التصرّف وما أسفر عنه من كفّ الأذى وحماية الآخرين. فالحكمة في مواطن الخطر تُقاس بحسن الاستجابة، وبما يحفظه القرار من أرواح، وما يدرؤه من شرّ. وفي موقفه نقرأ اجتماع الإقدام ومسؤولية الحماية؛ قلبٌ ينهض للنجدة، وبديهةٌ تسعفه على الفعل في اللحظة الحاسمة. وهذه منزلةٌ رفيعة في أداء الواجب، يكتسب فيها الثبات قيمته من الغاية التي يخدمها: أن يبقى الإنسان آمنًا، وأن تُصان حياته.

هنا تتجلّى أخلاق الأردني النشمي التي نعتزّ بها؛ المروءة حين تستدعيها الشدائد، والوفاء حين يصبح لرفيق الواجب حقّ النصرة. نحمل كلمة «النشمي» باعتزاز، ونجد معناها فيمن يغيث الملهوف، ويجعل قدرته على الحماية عهدًا بينه وبين الناس. إنها نخوةٌ تتّسع لسلامة الآخرين، وتأبى أن تترك المستغيث وحيدًا في محنته. وقد منح فراس هذه الكلمة فعلًا نبصره، وموقفًا نستدلّ به على أصالة الخُلُق حين يجد امتحانه العسير.

ولعلّ من حقّ رجال الأمن علينا أن نستحضر، ونحن نقرأ هذا الموقف، أن وراء الزيّ الرسمي إنسانًا له أهلٌ وأحبّة، وأن سلامته غاليةٌ على قلوب تنتظر عودته. يمضي إلى واجبه حاملًا مسؤولية طمأنينة الناس، وقد يجد نفسه مطالبًا بأن يعرّض سلامته للخطر كي يصون سلامتهم. وحين نُجلّ بطولة فراس، فإننا نردّ بعض الوفاء إلى من يحملون هذه الأمانة، ونؤكّد أن احترام تضحياتهم يقتضي وعيًا بدورهم وتعاونًا معهم في حفظ أمن المجتمع.

وإني، من موقعي في التربية والتعليم، أرى في هذا الموقف درسًا يستحقّ أن يبقى في ذاكرة أبنائنا. فحين نحدّثهم عن الشهامة والانتماء، يحسن أن نصل المعاني بأفعالٍ تُرى آثارها في حياة الناس. وفي هذا الموقف ما يعيننا على تعليمهم أن الشجاعة خُلُقٌ يرشده العقل، وأن النجدة مسؤوليةٌ يستنهضها الضمير. ومن حقّ الأجيال أن تعرف أسماء الذين نهضوا بهذه القيم، وأن ترى في تقديرهم اعترافًا بما يحفظ للمجتمع تماسكه وكرامته.

وفي مقام الوفاء هذا، يحضر الشهيد العريف جواد السلايطة بما يستحقّه من إجلالٍ ودعاء. لقد ارتقى وهو يؤدّي واجبه، وترك في القلوب وجعًا يوازي ما له من مكانة. رحم الله جوادًا، وألهم أهله الصبر والسكينة، وجعل ذكره مقرونًا بالرحمة والوفاء. وإن تقدير بطولة فراس يحمل في طيّاته وفاءً لرفيق الواجب، واستحضارًا لحرمة الدم الذي أُريق، ولثقل المسؤولية التي يحملها حماة الناس.

يا فراس، لك منّا شكرٌ على قدر الموقف، واعتزازٌ بما جسّدته من أخلاق الأردني الأصيل. لقد رفعت الرأس حين جعلت شجاعتك أمانًا لغيرك، ومنحت النخوة معناها في ساعة الحاجة إليها. نسأل الله أن يتمّ عليك الشفاء، وأن يقرّ أعين أهلك بعافيتك، وأن يحفظ الأردن وأهله وحماته. وسيبقى في موقفك ما يستحقّ أن يُروى: رجلٌ لبّى نداء الواجب، فصار فعله شهادةً للمروءة، وصارت شجاعته وفاءً لحقّ الناس في الحياة.

مدار الساعة ـ