ليس أخطر على الأوطان من فكر متطرف يتسلل إلى العقول حتى يتحول إلى سلوك يستبيح الدماء ويهدد أمن المجتمعات واستقرارها. وما بين حادثة كنيسة حمود في الكرك واستشهاد العريف جواد السلايطة تتجلى حقيقة لا تحتمل التأجيل، وهي أن مواجهة التطرف ضرورة وطنية لحماية الأردن وصون نسيجه الاجتماعي.
في حمود، لم يكن الاعتداء على أشخاص فحسب، بل طال حرمة دور العبادة وقيم التآخي والتعايش التي تشكل ركنا أصيلا في هويتنا الوطنية. وفي استشهاد العريف جواد السلايطة امتدت يد الغدر إلى رجل حمل شرف الواجب ووقف دفاعا عن أمن الناس وطمأنينتهم. إنها أعمال إجرامية وإرهابية تستوجب الحزم والردع، وتستحضر وصف جلالة الملك عبدالله الثاني لهؤلاء بخوارج هذا العصر.إن الإدانة والرثاء، على أهميتهما، لا يكفيان. فالمطلوب الانتقال من ملاحقة الجريمة إلى معالجة جذورها، ومن التعامل مع نتائج التطرف إلى استباق أسبابه. وهنا تتأكد الحاجة إلى دراسة استحداث مجلس أعلى لمكافحة التطرف والإرهاب، يجمع المؤسسات الأمنية والتربوية والدينية والإعلامية والاجتماعية، ويتولى صياغة استراتيجية وطنية موحدة للوقاية والرصد والمعالجة.وفي صميم هذه المواجهة. تتجلى المكانة الوطنية للمدرسة الأردنية بوصفها منارة للعلم والفكر المستنير وحاضنة للقيم الأصيلة والوعي الوطني، بما تضطلع به وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية من دور تربوي وتنويري في بناء شخصية الطلبة وتعزيز قيم الاعتدال والانتماء والتسامح لديهم، من خلال جهود الاختصاصيين والمرشدين التربويين وإدارات المدارس. وهي رسالة تربوية تتكامل مع دور الأسرة والعشيرة والجامعة ومؤسسات المجتمع، فالجميع شركاء في بناء وعي الأجيال وصون أمن الوطن واستقراره.وعلى المستويين الأمني والتشريعي تقتضي الضرورة الوطنية تغليظ العقوبات على الجرائم الإرهابية وتطوير قواعد بيانات وطنية دقيقة ومترابطة لدى الأجهزة المختصة، وفق القانون والضمانات اللازمة، لرصد أصحاب السوابق والأنشطة الإجرامية الخطرة، بمن فيهم فارضو الأتاوات وممارسو البلطجة، وتعزيز تبادل المعلومات والتدخل الاستباقي بما يحول دون وقوع الجرائم ويحفظ أمن المجتمع.لقد تغنى الأردنيون عبر عقود بمنظومة الأمن والاستقرار، ويجب أن تبقى راسخة وعصية على الاختراق مهما بلغت التضحيات. فالأردن مستهدف ويقظة نشامى الأمن العام وسائر أجهزتنا الأمنية ركيزة أساسية في حماية الوطن، لكن الأمن لا تصنعه الأجهزة وحدها، بل يحرسه وعي المواطن وتماسك المجتمع وثقته بمؤسساته.ومن الوفاء لشهيد الواجب والوطن العريف جواد السلايطة أن تبادر أمانة عمان الكبرى إلى تخليد ذكراه بإطلاق اسمه على الشارع الذي شهد استشهاده، ليبقى اسمه حاضرا في ذاكرة المكان وشاهدا على تضحيات رجال الأمن الذين يقدمون أرواحهم دفاعا عن الأردن وأهله.إن معركتنا الحقيقية ليست مع جريمة وقعت فحسب، بل مع الفكر الذي سبقها وبررها وهيأ لها. فلا نريد للأردن أن يدفع أثمانا جديدة نتيجة التساهل مع منابع التطرف، بل نريده وطنا محصنا بوعي أبنائه، وقوة مؤسساته، وعدالة قانونه، وتماسك جبهته الداخلية.رحم الله العريف الشهيد جواد السلايطة، ورحم ضحايا كنيسة حمود وتغمدهم بواسع رحمته. وحفظ الله الأردن آمنا عزيزا، وصان أهله ونسيجه الوطني، وأدام على قيادته الهاشمية الحكمة والعزيمة، وأبقى راية الوطن خفاقة عصية على كل من يحاول النيل من أمنه ووحدته واستقراره.