مدار الساعة - كتب الأستاذ: أحمد سليمان السلايطة - ليست مجرد اسمٍ على خارطة المكان، وليست مساحةً من الأرض تحدّها الطرق والتلال، بل هي حكايةٌ تسكن الذاكرة، وأرضٌ تختزن في ترابها حكايات الرجال الذين مرّوا من دروبها، وتركوا في وجدانها أثراً لا تمحوه الأيام
على ربوةٍ تحرسها رياح الشتاء ودفء الذاكرة، تتربع "مدرسة المشيرفة" لم تكن مجرد جدرانٍ طينيةٍ أو إسمنتية خلت من الروح، بل كانت محراباً للعلم، وموئلاً لأحلام صغار كانوا يرسمون على دفاترهم ملامح غدٍ أجمل.لم تكن "المشيرفة" بالنسبة لي مجرد مكان أؤدي فيه واجبي، ولا جدراناً ألقي بينها دروس النحو والبلاغة، بل هي ديارُنا ، وملتقىً للدم، فبين تلك الصفوف، وبين طاولات الخشب الخشنة وأفنية التراب العطرة، كان يجلس أبناء عمومتي.. أولئك الصبية الذين يشبهون طين الأرض، وتحمل عيونهم ملامح العائلة وطيبتها، وكبرياء البادية وعنفوانها، كنت أنظر إليهم من منصتي كمعلمٍ يحمل أمانة العلم، وكنت أنظر إليهم كأخٍ وعمٍ يخشى عليهم غوائل الزمن، أراهم في الصباح يتسابقون إلى باحة المدرسة، فتتزاحم في صدري مشاعر الفخر والخوف الجميل عليهم.من بين صفوفهم وبين زملائه وفي صفوف تلك المدرسة، خرج من اختاره القدر ليلتحق بركب الشهادة، شاب غض العود، كان يوماً يتسابق مع رفاقه في فناء المدرسة.يا جواد، كم من مرة عبرت هذا الممر؟ وكم من صدى لصوتك ما زال عالقاً بين الجدران، كم حضرت وكم غبت ، ولكنك في درس الشهادة كنت أول الحاضرين.المشيرفة ولّادة، تنجب كل يومٍ "جوادًا " جديداً يحمل الكتاب بيد، وكرامة الوطن والتراب باليد الأخرى، تنجب صبيةً يعرفون كيف يرتلون حروف المجد، وكيف يكونون السند إذا اشتدت الخطوب. رحم الله جواداً وكل شهيدٍ خرج من بين هذه الجدران، وبوركت هذه المدرسة التي لا تنضب، ولا تزال تمدّ الوطن بالرجال، الواحد تلو الآخر، كأنها تثبت للزمان أن العظماء فيها لا يفنون، بل يولدون من جديد مع إشراقة كل شمسٍ على سهول المشيرفة.مدرس الشهيد السلايطة يكتب: يا جواد.. كم من مرة عبرت هذا الممر؟
مدار الساعة ـ








