أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مواجهة التطرف والإرهاب.. كيف نحصن المجتمع ونحمي عقول الشباب؟


أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال

مواجهة التطرف والإرهاب.. كيف نحصن المجتمع ونحمي عقول الشباب؟

أ.د. حسن الدعجة
أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

تبدأ حماية الأردن من التطرف والإرهاب قبل أن تتحول الأفكار المتشددة إلى سلوك عنيف، وقبل أن يجد المحرضون طريقهم إلى عقول الشباب. فالأمن المستدام تصنعه يقظة المؤسسات، وتسانده أسرة تحاور، ومدرسة تعلّم التفكير، وجامعة تحتضن الاختلاف، وبيئة اجتماعية تمنح الإنسان شعوراً بالكرامة والانتماء. ومن هنا، تصبح مواجهة التطرف مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها الحماية الأمنية مع الوقاية الفكرية والتنمية الاجتماعية، ضمن رؤية تجعل الشباب شركاء في حماية وطنهم وبناء مستقبله.

وتقتضي البداية التمييز بين التدين والتطرف، وبين الاختلاف والتحريض، وبين التعبير السلمي وتبرير العنف. فالتدين الذي يعزز الرحمة واحترام الإنسان رافد للاستقرار، والنقاش المسؤول علامة على حيوية المجتمع. أما الخطر فيظهر حين يُستخدم الدين أو الانتماء السياسي لتجريد الآخرين من حقوقهم، أو تسويغ الاعتداء عليهم. ولذلك، فإن دقة المفاهيم تحمي المجتمع من التعميم والوصم، وتساعد المؤسسات على توجيه جهودها نحو السلوك المؤذي والتحريض الفعلي، مع صون مساحة الحوار والتعدد.

وفي هذا السياق، تمثل رسالة عمّان، التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني عام 2004، مرجعية أردنية مهمة في مواجهة التكفير وتصحيح الفهم الديني. فقد أكدت محاورها حرمة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، والاعتراف بالمذاهب، وضوابط التصدي للإفتاء. وتكمن مسؤوليتنا اليوم في تحويل هذه المبادئ إلى ممارسة تربوية واجتماعية، من خلال مواقف تعليمية وحوارات تشرح للطلبة كيف يتحول الاختلاف إلى إثراء، ولماذا لا يملك فرد احتكار الحقيقة أو استباحة حياة الآخرين باسمها.

وتتيح نظرية الأمن الفكري إطاراً لتحليل العلاقة بين تكوين الوعي وحماية المجتمع من الانزلاق إلى العنف. ويمكن توظيفها في تصميم برامج تربط المعرفة الدينية والوطنية بالتفكير النقدي والانتماء الإيجابي، ثم تقييم أثرها على اتجاهات الشباب وسلوكهم. فالمناعة الفكرية تنمو عندما يمتلك الشاب القدرة على فحص الادعاءات، والتمييز بين الحجة والتلاعب، ومراجعة مصادره، والتعبير عن اعتراضه بوسائل سلمية. ويقتضي ذلك التعامل مع الأسئلة الصعبة بوصفها فرصة للتعليم والحوار، ومنح الشباب أدوات الفهم المستقل والمسؤول.

وتبقى الأسرة المساحة الأولى لهذه الوقاية. فالإنصات اليومي، واحترام الأسئلة، ومعرفة ما يشغل الأبناء، تساعد على بناء الثقة قبل ظهور الأزمات. ولا ينبغي تفسير العزلة العابرة أو تغير الاهتمامات تلقائياً باعتبارهما دليلاً على التطرف؛ فالمراهقة والشباب مرحلتان تتسمان بالتحول والبحث عن الذات. لكن تبرير الاعتداء، والتهديد، والانغماس في خطاب ينزع الإنسانية عن الآخرين، مؤشرات تستدعي حواراً جاداً ومساعدة متخصصة عند الحاجة، دون فضح الشاب أو دفعه إلى مزيد من الانغلاق.

أما المدرسة والجامعة، فمسؤوليتهما تتجاوز تقديم المعلومات إلى تدريب الطلبة على استخدامها. يحتاج الطالب إلى تعلم التحقق من الأخبار، وفهم اختلاف السياقات، ومناقشة الرأي المخالف بأدلة، والعمل ضمن فريق متنوع. وتوفر الأنشطة الثقافية والرياضية والتطوعية مساحات عملية لاكتساب هذه المهارات. كما أن حضور المعلم المؤهل والمرشد القادر على الاستماع يفتح باباً آمناً لطرح المخاوف والإحباطات، ويحول المؤسسات التعليمية إلى بيئات يشعر فيها الشباب بأن أصواتهم مسموعة، ومبادراتهم ذات قيمة.

وفي الفضاء الرقمي، تتطلب الوقاية أكثر من إزالة المحتوى المحرض. فقد يتعرض الشاب لرسائل تستثمر غضبه أو وحدته، وتقدم له تفسيراً مغلقاً للعالم وانتماءً مشروطاً بالكراهية. لذلك، نحتاج إلى تربية فكرية تشرح أساليب التضليل والاقتطاع واستغلال العاطفة، وإلى محتوى موثوق قريب من لغة الشباب. وتزداد فاعلية هذا الجهد حين يشارك الشباب أنفسهم في إنتاجه، وحين تُتاح قنوات واضحة للإبلاغ عن التهديدات وطلب المساعدة، مع احترام الخصوصية وحماية النقاش المشروع.

كذلك، فإن توسيع فرص التعليم والعمل والمشاركة يعزز صلة الشباب بمجتمعهم ومستقبلهم. ولا يصح اختزال التطرف في الفقر أو البطالة، فمساراته متعددة، والغالبية الساحقة ممن يواجهون ظروفاً صعبة ترفض العنف. ومع ذلك، فإن دعم المبادرات المحلية، وتوفير مساحات ثقافية في المحافظات، وتمكين الشباب من خدمة مجتمعاتهم، يحد من الفراغ ويمنح الانتماء مضموناً ملموساً. وكل تجربة يشعر فيها الشاب بقدرته على الإنجاز والإسهام تعزز ثقته بمسارات التغيير السلمي.

ويستحق تأهيل المدانين في قضايا التطرف اهتماماً موازياً، فالعقوبة وحدها لا تكفي لتفكيك القناعات المتشددة، ولا تتحقق المواجهة الفكرية للتطرف إلا بفكر سليم ومعتدل ووسطي، يصحح المفاهيم المغلوطة بالحجة والمعرفة والحوار، ويرسخ احترام الحياة وكرامة الإنسان وقبول الاختلاف. ولذلك، ينبغي أن تقوم برامج التأهيل على تقييم فردي متخصص، يجمع الحوار الفكري والديني، والدعم النفسي عند الحاجة، والتعليم والتدريب المهني، بمشاركة علماء ومختصين مؤهلين. وتمتد هذه الجهود إلى متابعة الاندماج بعد الإفراج وفق القانون، بمساندة الأسرة وتوفير فرص المشاركة والعمل وتجنب الوصم الدائم. ويُقاس النجاح بتغير سلوكي مستمر ونبذ العنف واحترام الآخرين، مع التمييز بين مراجعة القناعات والتوقف عن الممارسة العنيفة، لأن التصريحات وحدها لا تثبت تحقق التأهيل، وإنما تؤكده الممارسة المسؤولة والاستقرار في الحياة الاجتماعية والقدرة على معالجة الخلافات بوسائل سلمية.

ويحتاج هذا المسار إلى تنسيق مستمر بين المؤسسات الأمنية والتعليمية والدينية والثقافية والإعلامية والمجتمع المدني، بأهداف قابلة للقياس ومسؤوليات واضحة. فعدد المحاضرات وحده لا يكشف أثرها، بينما يتيح تقييم المهارات والثقة وطلب المساعدة تحسين البرامج. ويقوى الأردن حين تتكامل كفاءة أجهزته مع وعي مواطنيه، وحين يجد الشباب مكاناً محترماً في الحاضر وأملاً واقعياً في المستقبل. وحماية عقولهم تبدأ بمنحهم المعرفة والثقة والمسؤولية، لتصبح المواطنة ممارسة يومية تحرس الحياة وتصون كرامة الجميع.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ