أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشوابكة يكتب: مسودة قانون الضمان الاجتماعي 2026: بين الاستدامة المالية والتوازن المجتمعي

مدار الساعة,مقالات,الضمان الاجتماعي
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب : المحامي الدكتور برجس خليل الشوابكة

في ضوء مسودة مشروع قانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 والتعديلات الأخيرة عليه، والمتضمن رفع سن التقاعد الوجوبي تدريجياً ليصل إلى 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث، ورفع عدد الاشتراكات اللازمة للتقاعد المبكر إلى 360 اشتراكاً، مع بدء التطبيق المتدرج اعتباراً من عام 2030، فإن المسألة لم تعد مجرد إجراء تنظيمي لتحقيق الاستدامة المالية، بل تحولت إلى معادلة تؤثر على صافي الراتب التقاعدي بصورة مباشرة وعلى السلم الإجتماعي والمنظومة الأمنية بصورة غير مباشرة.

فرفع سن التقاعد يؤدي إلى إطالة سنوات البقاء في سوق العمل وتأجيل لحظة الاستحقاق الكامل. وفي حال لجوء المؤمن عليه إلى التقاعد المبكر قبل بلوغ السن الوجوبي الجديد، تتضاعف سنوات الخصم مقارنة بالقانون الحالي. ووفق المعادلات الرقمية، إذا افترضنا راتباً خاضعاً للاقتطاع مقداره 1000 دينار ومدة اشتراك 30 سنة، فإن الراتب التقاعدي قبل الخصم يبقى 750 ديناراً، غير أن الفارق الجوهري يظهر في نسبة الخصم؛ ففي القانون الحالي حيث سن التقاعد المرجعي 60 عاماً، وإذا تبقى خمس سنوات للاستحقاق، تبلغ نسبة الخصم نحو 8% أي ما يعادل 60 ديناراً، ليصبح الراتب الصافي 690 ديناراً. أما في مسودة 2026، مع رفع السن إلى 65 عاماً واعتبار أن المتبقي عشر سنوات، فتُحتسب نسبة الخصم بمعدل 2% عن كل ستة أشهر، أي ما يعادل 40% عن عشر سنوات، فتبلغ قيمة الخصم 300 دينار، وينخفض الراتب الصافي إلى 450 ديناراً شهرياً، بفارق 240 ديناراً مقارنة بالقانون الحالي.

وتزداد الإشكالية تعقيداً مع اشتراط 360 اشتراكاً للتقاعد المبكر، ما يعني بقاء المؤمن عليه فترة أطول في الاشتراك الإلزامي غالباً منذ بداية حياته الوظيفية بأجور منخفضة، بينما يرتفع الراتب الحقيقي في السنوات الأخيرة من الخدمة. ومع اتساع الفجوة بين أجر البداية الوظيفية وأجر النهاية الوظيفية، تتراكم سنوات طويلة محسوبة بأجر متدنٍ مقابل فترة أقصر بأجر مرتفع، فتتولد علاقة طردية تنعكس سلباً على القيمة الفعلية المتوقعة للراتب التقاعدي، خاصة إذا صاحبتها فترات تعطل أو انتقال وظيفي قبيل التقاعد. ومع غياب ربط فعّال بالتضخم، تتراجع القوة الشرائية مستقبلاً حتى وإن بقيت معادلة الاحتساب 2.5% و2% ثابتة شكلياً.

لا يقتصر أثر التعديل على تأجيل الاستحقاق أو تضخم نسبة الخصم المحتملة فحسب، بل يمتد إلى البنية الوقائية للدولة؛ فإطالة مدة البقاء في سوق العمل تُبطئ الإحلال الوظيفي وتفاقم البطالة بين الفئات الشابة. ومع تراجع الدخل أو تأخر الاستحقاق قد تتولد أوضاع عوز اقتصادي تشكّل بيئة خصبة لارتفاع بعض أنماط الجرائم المرتبطة بالحاجة والضائقة المالية. ومن منظور السياسة الجنائية الوقائية، فإن أي اختلال في معادلة الحماية الاجتماعية قد ينعكس ضغطاً على المنظومة الأمنية، ما يستوجب موازنة دقيقة بين الاستدامة المالية ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي.

فالضمان الاجتماعي ليس مجرد عملية حسابية، بل هو ركيزة من ركائز العقد الاجتماعي وأمنه، وأي إصلاح مهما كانت ضرورته المالية، يظل رهناً بمدى تحقيقه للتوازن بين استدامة الصندوق وعدالة المنافع، حفاظاً على الثقة العامة والسلم المجتمعي.


مدار الساعة ـ