أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تسييس الطوارئ في القدس: من الحرب الإقليمية الى سياسات يومية ضاغطة

مدار الساعة,مقالات,المسجد الأقصى
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتبت: رنا الزاغة - في حالة الحرب الإقليمية الحالية تتحول الإجراءات الداخلية في القدس لتصبح جزءًا من تسييس الطوارئ، حيث يرى بوزان وويفر ودي وايلد أن الأمننة هي العملية التي تنقل القضية خارج القواعد المعتادة للعمل السياسي، عبر تقديمها بوصفها تهديدًا وجوديًا يبرر اللجوء إلى إجراءات استثنائية[1]، بحيث لا تبقى هذه الحرب حدثًا امنيًا عابرًا، بل تمتد الى ابعد من ذلك عبر إطار عمل يُعاد فيه تنظيم المدينة وضبط حركتها وإعادة تحديد حدود المسموح الممنوع، في القدس، ينعكس ذلك في إجراءات ميدانية يومية تثقل حياة المقدسيين تحت ذريعة الضرورة، وتظهر آثارها سريعًا على مصادر الرزق والخدمات والأوضاع الاجتماعية. ويتقاطع هذا كله مع حساسية المشهد في المسجد الأقصى ومحيطه بوصفه نقطة الاختبار للسياسات الاستثنائية، بما يجعل المؤقت قابل للتحول إلى روتين يومي سهل الترسيخ.

لا تصل الحرب الإقليمية الى القدس عبر الصواريخ فقط، بل تنتقل عبر سلسلة من القرارات الأمنية والإدارية، التي تعيد بدورها تعريف الحدث الخارجي كخطر داخلي محتمل، ثم تُفعل حالة الطوارئ لتوسيع أدوات الضبط من اغلاقات وحواجز وتفتيش وقيود على الحركة والتجمع.

على المستوى الميداني، يمكن رصد الطوارئ عبر عدد من الأدوات رئيسية تبدأ من الاغلاق وإعادة هندسة الحركة نحو البلدة القديمة والقدس حيث فرضت إسرائيل ما يشبه منع تجول في البلدة القديمة والقدس عبر تكثيف الحواجز والتفتيش والقيود على التجمعات بوصفها إجراءات وقائية، وصولا الى منع الدخول الى البلدة القديمة لغير المقيمين داخلها ومنع فتح المحال التجارية داخلها، ولا يمكن قراءة هذه التدابير بوصفها إجراءات وقائية فقط، إذ يظهر نمط التعامل مع كل حدث أمني ميلًا إلى تحويل حالات الطوارئ إلى مبرر جاهز لإغلاقات أوسع، بما ينتج فجوات اقتصادية واجتماعية وتعليمية، ويؤسس تدريجيًا لفكرة أن الاستثناء هو القاعدة.

اقتصاديًا، ينتج عن هذه الأدوات أثر فوري على الرزق والخدمات ثم يتحول مع الاستمرار الى اثر تراكمي يعيد تشكيل الحياة اليومية للمقدسين حيث ان الاغلاق الممنهج يؤدي الى اختناق الحياة اليومية وتراجع حركة الزبائن داخل البلدة القديمة خصوصًا مع منع الدخول اليها، وتتقلص قدرة العاملين على الوصول الى أعمالهم مما يعني خسائر يومية تؤدي بشكل او باخر الى تآكل مصدر الدخل خصوصًا لدى الفئات التي تعتمد على المياومة "الدخل اليومي" او المواسم الدينية مثل شهر رمضان الذي تكثر فيه حركات الزبائن خصوصًا بعد صلاة التراويح، حيث إن البلدة القديمة تضم نحو 1400 محل تجاري، أُغلق منها نهائيًا نحو 17%، فيما يعتمد 462 محل اعتماد كامل على السياحة التي تراجعت بشدة بفعل القيود الأمنية وغياب الزوار. كما أظهرت تقديرات أممية بعد 7 أكتوبر أن 90% من أصحاب المحال في البلدة القديمة يعتمدون على السياحة، وأن الإغلاق والمخاوف الأمنية قادت إلى إغلاق نحو 90% من المحال، بما أثر فيما لا يقل عن 500 عائلة.

خدميًا، تتحول القيود الى أدوات تعرقل الوصول الى الرعاية الصحية او انجاز المعاملات الرسمية مع ارتفاع كلفة التنقل والزمن الضائع على الحواجز، بما يضغط على المقدسيين يعيد ترتيب اولوياتهم قسرًا، وبطبيعة الحال يعمل ذلك مع تحويل التعليم عن بعد لكل مدارس الأقصى والقدس، والذي يحول بدوره التعليم الى امتياز تقني، فالتعلم يتحول إلى مسألة قدرة على الوصول إلى الإنترنت والأجهزة المناسبة والحيز المنزلي المناسب، ما يعمق اللامساواة بين الطلبة ويضعف التحصيل والانضباط التعليمي، خصوصًا لدى الأسر الأكثر هشاشة اقتصاديًا. ومع الاستمرار، تصبح الفجوة التعليمية أثرًا تراكميًا: تراكم فاقد تعليمي، زيادة احتمالات التسرب، وتحول المدرسة إلى عبء منزلي يصعب ضبطه في ظل الضغط العام.

اجتماعيًا، يراكم هذا الضغط شعور دائم بعدم اليقين بالغد القريب، ويضعف الروابط والزيارات والحياة الاجتماعية لصالح حياة تنحصر داخل دوائر ضيقة ويضعف الروابط الاجتماعية، ولأن مركز الثقل يقع في البلدة القديمة ومحيط الأقصى، فإن الأثر لا يبقى اقتصاديًا وخدميًا فقط، بل يتحول إلى أثر رمزي وسياسي: تقليص الحضور في المكان، وإعادة تعريف الحق في الوصول بوصفه امتياز مشروط بإجراءات الطوارئ. ومع استمرار الوضع، يصبح المؤقت قابل للترسيخ كبروتوكول يومي، وتتحول الطوارئ من استجابة ظرفية إلى نمط إدارة يعيد إنتاج المدينة بمنطق الاستثناء.

وإذا كانت الطوارئ تطال المدينة عمومًا، فإن ذروتها تظهر في المسجد الأقصى المبارك بوصفه نقطة الاختبار الدائمة للإجراءات الاستثنائية. فمنذ الساعات الأولى للتصعيد، جرى إغلاق المسجد وإخلاء المصلين، ومنع التواجد في باحاته، إلى جانب منع أداء صلاتي العشاء والتراويح، وتوسيع القيود بما شمل ايضًا إقامة صلاة الجمعة في سياق استمرار الإغلاق لأيام متتالية. وترافق ذلك مع انتشار مكثف للقوات عند أبواب المسجد الأقصى وأبواب البلدة القديمة، بما يحول الوصول إلى المكان من حق طبيعي إلى حركة مشروطة ببروتوكولات الطوارئ. كما انعكس هذا المنطق على عمل الأوقاف عبر تقييد وصول جزء من الموظفين وعرقلة الترتيبات اللوجستية المرتبطة بإدارة المسجد واستقبال المصلين، بما يضيف بعدًا إداريًا للضبط يتجاوز الإغلاق بوصفه إجراء أمني مؤقت.
وبالعودة إلى حرب الأيام الاثني عشرة مع إيران في عام 2025، تُظهر المقارنة أن الآلية والقاعدة الأساسية للإجراءات كانت متشابهة نوعا ما، من حيث إغلاق المحال التجارية، وإغلاق المسجد الأقصى لفترة محددة، وتقييد الدخول إلى البلدة القديمة بحيث اقتصر على السكان أو بعض الفئات المحدودة، مع السماح آنذاك لعدد ضئيل من المقدسيين بالدخول. غير أن الإغلاق الحالي يبدو أشد أثرًا، بالنظر إلى حساسية توقيته، واستمرار إغلاق الأقصى حتى الآن ومنع كلي وشامل من الدخول، بذلك، ومع تكرار الحدث والإغلاق، تتحول الحالة الراهنة من استجابة ظرفية إلى نمط إدارة متكرر، يُسهم في ترسيخ القيود وتطبيع الاستثناء داخل المدينة.

ضمن هذا السياق، لا يُقرأ ما يجري اليوم بمعزل عن السياق التشريعي الذي سبق الاغلاق بأيام، حيث تم الدفع باتجاه مشروع قانون يعرف بقانون "حماية الأماكن المقدسة" او مشروع ساحة البراق، وهو مسار لا يقتصر على تنظيم ترتيبات الصلاة عند حائط البراق، بل يكشف عن اتجاه أوسع لإعادة تعريف المرجعية القانونية والإدارية للمقدسات في القدس. وإعادة تعريف الجهة الإدارية المسؤولة عن إدارة الأماكن المقدسة، بما يطال عمليًا صلاحيات الأوقاف الإسلامية وترتيبات الوصول والوجود داخل المسجد ومحيطه، وبهذا المعنى، لا يظهر إغلاق الأقصى بوصفه استجابة أمنية ظرفية فحسب، بل كجزء من بيئة سياسية وتشريعية أوسع تسعى إلى توسيع أدوات الضبط وإعادة تشكيل قواعد إدارة المكان والوصول إليه

وإذا ما استمر هذا الوضع، فسيكون له تبعات على واضحة على المديين القصير والطويل، على المدى القصير، يُنتج استمرار الإغلاقات والقيود أثر مباشر يمكن رصده سريعًا. حيث يتعمق الاختناق الاقتصادي عبر تراجع حركة الزبائن والسياحة الدينية والقدرة على الوصول إلى أماكن العمل، ما يعني خسائر يومية للتجار وأصحاب الأعمال الصغيرة وارتفاع كلفة التنقل والزمن الضائع. كما تتدهور القدرة على الوصول للخدمات الأساسية (المدارس، الجامعات، المواعيد الطبية، المعاملات)، وتزداد هشاشة الأسر التي تعتمد على دخل يومي أو عمل غير ثابت. الى جانب تصاعد الضغط الاجتماعي والنفسي مع إحساس دائم بعدم اليقين، وتنامي التوتر في المجال العام نتيجة الاحتكاك المتكرر على الحواجز وحول نقاط التفتيش. اما في محيط الأقصى تحديدًا، تظهر آثار قصيرة المدى عبر تقلب قواعد الدخول والخروج وتضييق الحركة في البلدة القديمة، بما يراكم شعورًا بأن المكان يُدار بمنطق الاستثناء الوقائي

أما على المدى الطويل، فالأثر الأخطر ليس استمرار الخسائر فقط، بل ترسخ نموذج حكم قائم على الاستثناء. اقتصاديًا، قد ينتج إضعاف لاقتصاد القدس الفلسطيني: إغلاق محلات، انتقال أعمال خارج البلدة القديمة، تغير أنماط الاستهلاك، واعتماد أكبر على الديون أو المساعدات، بما يضعف القدرة على الصمود. اجتماعيًا وخدماتيًا، يتحول تعطل الحركة إلى إعادة تشكيل للعلاقات والروابط: تقليص الزيارات، تراجع المشاركة في الفضاء العام، وانكماش الحياة المدنية لصالح حياة داخلية مفككة. سياسيًا وحقوقيًا، تتوسع شرعية أدوات الضبط نفسها: ما كان مؤقتًا يصبح بروتوكولًا جاهزًا، وتتسع مساحة المنع والتقييد بوصفها إجراءات طبيعية في إدارة المدينة. وفي الأقصى ومحيطه، يترسخ مبدأ إدارة المكان تحت الطوارئ بوصفه معيار دائم، ما يجعل كل جولة توتر فرصة لإعادة ضبط قواعد الوصول والوجود، لا مجرد استجابة ظرفية.

يُقرأ هذا المسار لا بوصفه حدث أمني ظرفي، بل مسار سياسي مقصود يعمل عبر الطوارئ لتثبيت إدارة المكان وحدود السيادة عليه. فالقدرة على إغلاق المسجد الأقصى وفتحه وفق قرار أحادي، وفي توقيت يحدده الاحتلال، ليست مجرد إجراء احترازي، بل تعبير عن إدارة الموقع وإظهار السيطرة على شروط الوصول والوجود فيه. وتزداد دلالة ذلك حين تتجاور قيود الأقصى مع استمرار مظاهر الحياة الطبيعية لأنشطة أخرى في المدينة، بما يكشف انتقائية تطبيق الطوارئ بينما تُدار مساحات أخرى بمنطق اعتيادي، بما في ذلك فعاليات مرتبطة بعيد المساخر "البوريم".

يُقرأ هذا المسار باعتباره مسار سياسي مقصود يعمل عبر الطوارئ لتثبيت إدارة المكان وحدود السيادة عليه. فالقدرة على إغلاق المسجد الأقصى وفتحه بقرار أحادي، وفي توقيت يحدده الاحتلال، لا تعبر عن إجراء احترازي فحسب، بل عن سلطة تقرير من يدخل ومن يُستبعد، وكيف يُدار الحيز الديني والسيادي في القدس. وتزداد دلالة ذلك حين لا تطبق الطوارئ على المجال الديني في المدينة بصورة واحدة؛ فبينما تُفرض القيود على الأقصى وعلى الوصول إليه، تستمر في المقابل مظاهر دينية يهودية ملاصقة له، سواء عبر فعاليات مرتبطة بعيد المساخر (البوريم)، أو عبر فتح ساحة البراق للصلاة اليهودية، بما يكشف أن الطوارئ لا تعمل بوصفها حالة شاملة ومحايدة، بل كأداة انتقائية لإعادة تنظيم المكان وترتيب أولوية الحضور فيه.


مدار الساعة ـ