مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بقعة بواسون تعود للحياة.. كيف يعيد علماء سنغافورة توظيف ظاهرة عمرها قرنان لثورة الحوسبة القادمة

مدار الساعة,أخبار التكنولوجيا، التقنيات
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -في كثير من الأحيان، لا تأتي أعظم الاكتشافات العلمية من اختراع ظاهرة جديدة، بل من إعادة النظر في ظاهرة قديمة بعين مختلفة. وهذا ما حققه باحثون من جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، عندما أعادوا توظيف ظاهرة بصرية معروفة منذ أكثر من مائتي عام، تُعرف باسم بقعة بواسون لفتح باب جديد أمام التحكم في الضوء بطرق قد تمهد الطريق إلى جيل جديد من تقنيات الحوسبة والاتصالات.

لطالما اعتُبر الضوء مجرد وسيلة لنقل الطاقة أو المعلومات، لكن الفيزياء الحديثة كشفت أنه يحمل بنية داخلية شديدة التعقيد. فإلى جانب شدته ولونه، يمتلك الضوء خصائص أخرى مثل الطور والاستقطاب والدوران واتجاهي المجالين الكهربائي والمغناطيسي، ويمكن ترتيب هذه الخصائص في أنماط هندسية مستقرة تُعرف باسم الهياكل الطوبولوجية، وهي تراكيب تحافظ على شكلها حتى عند تعرضها للتشويه أو التمدد، الأمر الذي يمنحها استقرارًا استثنائيًا.

وفي هذه الدراسة، نجح الباحثون في إنتاج ما يُعرف بـالسكيرميونات الضوئية باستخدام إعداد بصري بسيط، دون الحاجة إلى المواد الفائقة المعقدة التي كانت تُستخدم سابقًا. والسكيرميونات هي تراكيب تشبه الجسيمات، ظهرت فكرتها أولًا في فيزياء الجسيمات ثم أصبحت محورًا مهمًا في فيزياء المادة المكثفة والمغناطيسية، قبل أن تجد طريقها مؤخرًا إلى عالم الضوء.

اللافت في هذا الإنجاز أن الفريق العلمي استطاع توليد عدة أنواع من السكيرميونات داخل بقعة ضوئية واحدة. ورغم أن مكونات الضوء المختلفة ترتبط ببعضها ارتباطًا وثيقًا، فإنها لا تتبع بالضرورة النمط الطوبولوجي نفسه، وهو ما يتيح للباحثين مقارنة سلوك أكثر من خاصية ضوئية في الوقت نفسه، وفهم العلاقات العميقة بين الجوانب الكهربائية والمغناطيسية للضوء.

وتُظهر عمليات المحاكاة الحاسوبية أن خصائص الضوء يمكن تنظيمها في مصفوفات دوارة من المتجهات، أشبه بخرائط دقيقة تكشف كيف تتغير هذه الخصائص داخل بقعة بواسون. ومن خلال التحكم في الظروف التي يتكون فيها المجال الضوئي، يصبح بالإمكان تعديل حجم السكيرميونات وشكلها وسلوكها بدقة كبيرة، وهو ما يمنح العلماء أداة جديدة للتحكم في الضوء على المستوى النانوي.

تكمن أهمية هذا العمل في أنه يبسط بشكل كبير إنتاج هذه الهياكل المعقدة. فبدلًا من الاعتماد على مواد هندسية فائقة التعقيد ومكلفة، أصبح بالإمكان تحقيق النتائج نفسها باستخدام تجهيزات بصرية أكثر بساطة، الأمر الذي قد يجعل هذا المجال أكثر انتشارًا ويُسرّع من وتيرة الأبحاث والتطبيقات العملية.

ولا تقتصر أهمية هذا الإنجاز على الفيزياء النظرية، بل تمتد إلى تطبيقات مستقبلية واعدة في الفوتونيات، ومعالجة المعلومات، والحوسبة الضوئية، والحواسيب من الجيل القادم. فبدلًا من نقل المعلومات بواسطة الإلكترونات داخل الشرائح الإلكترونية التقليدية، قد يصبح الضوء نفسه هو الوسيط الأساسي للمعالجة والحساب، مما يعني سرعات أعلى، واستهلاكًا أقل للطاقة، وقدرات حوسبية تتجاوز الحدود الحالية.

إن إعادة اكتشاف قيمة تجربة بصرية يعود تاريخها إلى أكثر من قرنين تؤكد أن العلوم لا تعرف التقادم. فكل نظرية أو تجربة قديمة قد تحمل في طياتها أسرارًا لم تكن أدوات الماضي قادرة على كشفها، بينما تستطيع تقنيات اليوم أن تمنحها حياة جديدة وتحوّلها إلى أساس لابتكارات المستقبل.

وهكذا، فإن بقعة بواسون، التي كانت يومًا مجرد دليل على الطبيعة الموجية للضوء، قد تصبح في العقود القادمة أحد المفاتيح الأساسية لبناء تقنيات الحوسبة الضوئية، وفتح آفاق جديدة أمام الاتصالات الكمومية والإلكترونيات الضوئية، لتثبت مرة أخرى أن الفيزياء لا تزال تخبئ الكثير من المفاجآت التي قد تغيّر عالمنا.


مدار الساعة ـ