مدار الساعة -في واحدة من أغرب خطط مكافحة الأنواع الغازية، تحولت الفئران النافقة إلى سلاح غير تقليدي في معركة ضد ملايين الثعابين التي اجتاحت جزيرة غوام ودمرت جانباً كبيراً من الحياة البرية فيها. لم تكن الفئران هي التي تهاجم الثعابين، بل استُخدمت كطُعم محمّل بمادة قاتلة تستهدفها.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة، وقبل عام 1952، وصلت الثعابين البنية الشجرية إلى غوام، الجزيرة الواقعة في غرب المحيط الهادئ، بعدما اختبأت داخل شحنات سفن قادمة من جزر سليمان. ومع غياب المفترسات الطبيعية ووفرة الغذاء، تكاثرت الثعابين بصورة هائلة، لتتحول لاحقًا إلى واحدة من أخطر الأنواع الغازية في الجزيروالثعبان البني الشجري من الأنواع التي تعيش فوق الأشجار، وموطنه الأصلي أستراليا وبابوا غينيا الجديدة وعدد من جزر المحيط الهادئ. ويتغذى على الطيور والسحالي والخفافيش والثدييات الصغيرة.ووصف ملخص صادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية ما حدث بعد وصوله إلى غوام بعبارات مباشرة: كانت الفرائس متوافرة بكثرة، بينما غابت المفترسات الطبيعية، فتكاثرت الثعابين بأعداد لم يسبق لها مثيل.ولم يقتصر تأثير الغزو على الحياة البرية، إذ تسببت الثعابين في آلاف حالات انقطاع التيار الكهربائي، كما أدت إلى فقدان حيوانات أليفة وطيور منزلية، وتسببت في حالة من القلق بين السكان الذين كانوا يعثرون عليها داخل منازلهم بصورة متكررة.وقدّر علماء أميركيون عدد الثعابين في غوام بنحو 3 ملايين ثعبان، بينما وصلت كثافتها في بعض المناطق إلى نحو 13 ألف ثعبان لكل ميل مربع.كما تنفق هيئة كهرباء غوام ما يصل إلى 4 ملايين دولار سنويًا على تكاليف الإصلاح، بعدما اعتادت الثعابين التسلل إلى منشآت ومحطات الكهرباء والتسبب في انقطاعات للتيار.وكان الضرر الذي لحق بالنظام البيئي أكثر خطورة؛ إذ وجدت مراجعة بحثية نُشرت عام 2007 في مجلة «Pacific Science» أن الثعبان قضى على 13 نوعًا من أصل 22 نوعًا من الطيور المحلية التي كانت تتكاثر في غوام، بينها 10 أنواع من أصل 12 نوعًا من طيور الغابات.كما أسهم في اختفاء عدد من الخفافيش والسحالي المحلية، بينما تراجعت أعداد النوعين المتبقيين من طيور الغابات بصورة حادة.تهديد يتجاوز غوامولا تقتصر المخاوف على غوام وحدها؛ فالجزيرة تُعد ميناءً كبيرًا وتضم عدة قواعد عسكرية، ما يمنح الثعابين فرصًا عديدة للانتقال إلى مناطق أخرى.وتشير تقديرات صادرة عن وزارة الداخلية الأميركية إلى أن استقرار تجمع من الثعابين البنية الشجرية في هاواي وحدها قد يؤدي إلى خسائر تتراوح بين 593 مليون دولار و2.14 مليار دولار سنويًا.فئران نافقة لقتل الثعابينفي عام 2010، لجأ الباحثون إلى طريقة غير مألوفة لمكافحة الثعابين، إذ أُسقطت فئران نافقة محشوة بالدواء بالمظلات فوق الغطاء النباتي الكثيف في غوام، في محاولة للقضاء على الثعابين.وضمن المشروع الذي تموله الحكومة الأميركية، وُضعت أقراص من مادة الأسيتامينوفين المركزة، وهي المادة الفعالة في دواء «تايلينول»، داخل فئران نافقة ، ثم استُخدمت هذه الفئران كطُعم للثعابين البنية الشجرية.وعند البشر، يُستخدم الأسيتامينوفين لتخفيف الأوجاع والآلام والحمى. لكن عندما تبتلع الثعابين هذه المادة، فإنها تعطل قدرة بروتينات الهيموغلوبين في دمائها على نقل الأكسجين.وقال بيتر سافاري، الباحث في «خدمات الحياة البرية» التابعة لوزارة الزراعة الأميركية، التي تعمل على تطوير هذه التقنية منذ عام 1995 من خلال منح مقدمة من وزارتي الدفاع والداخلية الأميركيتين: «تدخل في غيبوبة، ثم تموت».ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من نحو 80 مليغرامًا من الأسيتامينوفين لقتل ثعبان بني شجري بالغ، وهي كمية تعادل جرعة الأطفال من دواء تايلينول.وبعد ابتلاع المادة عبر الفأر النافق، يستغرق الأمر عادة نحو 60 ساعة حتى يموت الثعبان.وقال دان فايس، مساعد مدير الولاية في «خدمات الحياة البرية» التابعة لوزارة الزراعة الأميركية في هاواي وغوام وجزر المحيط الهادئ: «هناك عدد قليل جدًا من الثعابين التي ستأكل شيئًا لم تقتله بنفسها».لكن الثعابين البنية الشجرية لا تعتمد على الصيد فقط، إذ تتغذى أيضًا على الجيف، بحسب فايس، وهو ما وصفه بأنه «الثغرة في درع الثعبان البني الشجري».كيف نُفذت العملية؟قبل إسقاط الفئران المحملة بالدواء، كان الباحثون يثبتونها على «أجهزة طفو» تتكون من قطعتين من الورق المقوى موصولتين بشريط ورقي يبلغ طوله 4 أقدام، أي نحو 1.2 متر.وصُممت هذه الوسيلة بحيث تعلق الطعوم في الفروع العليا للأشجار، حيث تعيش الثعابين البنية الشجرية، بدلًا من سقوطها على أرض الغابة، حيث يمكن أن تصل إليها أنواع غير مستهدفة وتلتهمها، مثل سحالي الورل.وكان عدد الأنواع الأخرى في غوام التي يمكن أن تنجذب إلى طُعم الفئران محدودًا، بحسب سافاري، لأن الثعابين البنية الشجرية كانت قد قضت على معظمها.وفي الأول من سبتمبر، أجرى باحثون من وزارة الزراعة الأميركية عملية إسقاط محدودة لنحو 200 فأر محمّل بالطُعم فوق مساحة تبلغ 20 فدانًا، أي نحو 8 هكتارات، من الغابة المحيطة بقاعدة البحرية الأميركية في غوام.وحلّقت فرق الوزارة على ارتفاع منخفض فوق غابات غوام باستخدام طائرات هليكوبتر، وأسقطت أجهزة الطُعم واحدًا تلو الآخر لضمان توزيعها بصورة متساوية.وكانت تلك العملية ثاني عملية إسقاط فقط في تاريخ المشروع، وجاءت بهدف تحسين التقنية قبل إجراء اختبار ميداني أكبر في أواخر عام 2010 أو أوائل عام 2011.كما زُودت مجموعة صغيرة من الفئران في العملية بأجهزة إرسال لاسلكية، حتى يتمكن الفريق من تحديد مدى كفاءة الطعوم ومتابعة ما يحدث لها بعد إسقاطها.وقال سافاري إن تحرك الإشارة اللاسلكية الخاصة بالطُعم كان سيشير على الأرجح إلى أن ثعبانًا التهمه؛ فإذا تحركت الإشارة في اليوم التالي، فمن المرجح جدًا أن يكون ثعبان قد أكل الطُعم.وفي النهاية، أدت عمليات الإسقاط الموجهة إلى انخفاض كبير في كثافة الثعابين، تراوح بين 80% و90% داخل مناطق الاختبار المحددة خلال بضعة أسابيع.كيف أنقذت الفئران الطائرة جزيرة غوام من كابوس الثعابين؟
مدار الساعة ـ











